كيف فقد المجتمع السوداني استقلاله أمام الأحزاب والأيديولوجيا؟

  • بتاريخ : 15 يونيو، 2026 - 7:53 ص
  • الزيارات : 9
  • أديس..حوار بلا وطن (7)

    حين تحتل السياسة المجتمع

    د. حيدر معتصم مدني
    إعداد وإشراف: مركز الخرطوم للحوار

    في المجتمعات الطبيعية تقوم العلاقة بين المجتمع والسياسة على قاعدة بسيطة:
    المجتمع يُنتج السياسة..لا العكس.
    أي أن المجتمع ـ بثقافته وقيمه ومؤسساته ووعيه الجمعي ـ هو الذي يحدد الإطار العام الذي تتحرك داخله العملية السياسية.
    أما الأحزاب والسلطات والحكومات فهي مجرد أدوات مؤقتة لإدارة المصالح داخل هذا الإطار.
    لكن إحدى أخطر الأزمات التي واجهت السودان أن السياسة لم تكتفِ بمحاولة السيطرة على السلطة، بل تمددت تدريجيًا حتى حاولت السيطرة على المجتمع نفسه.
    وهنا بدأ الخلل البنيوي العميق.
    لأن المجتمع حين يفقد استقلاله أمام السياسة، لا تعود الدولة قادرة على إنتاج توازنها الطبيعي.
    بل تتحول إلى ساحة مفتوحة للاستقطاب والتعبئة والانقسام المستمر.
    ولهذا فإن جزءًا كبيرًا من الأزمة السودانية لا يتعلق فقط بالصراع بين الأحزاب، وإنما يتعلق أيضًا بتحول المجتمع نفسه إلى امتداد للصراع السياسي.
    فبدل أن يكون المجتمع:
    مرجعية أعلى من السياسة،
    أصبح في كثير من الأحيان:
    رهينة لها.
    وهنا اختلطت الأدوار بصورة خطيرة.
    لأن وظيفة المجتمع ليست خوض معارك السلطة.
    ووظيفة القبيلة ليست إنتاج الشرعية السياسية.
    ووظيفة الدين ليست التعبئة الحزبية.
    ووظيفة المجتمع المدني ليست العمل كذراع سياسي لهذا الطرف أو ذاك.
    لكن ما حدث في السودان أن السياسة دخلت إلى كل المساحات الاجتماعية تقريبًا.
    فأصبحت:
    القبائل تُستدعى للصراع السياسي،والدين يُستخدم كأداة استقطاب،والجهويات تتحول إلى منصات تعبئة،والمجتمع المدني يُعاد تشكيله وفق المصالح الحزبية،بل وحتى الثقافة والإعلام والتعليم أصبحت ساحات مواجهة أيديولوجية.
    وهنا فقد المجتمع استقلاله الطبيعي.
    ومن أخطر نتائج هذا التحول أن المواطن لم يعد يرى نفسه بوصفه:
    فردًا داخل وطن،
    بل أصبح يُدفع تدريجيًا ليرى نفسه باعتباره جزءًا من:
    معسكر سياسي،
    أو كتلة أيديولوجية،
    أو جماعة صراع.
    وهنا تتراجع فكرة المواطنة لصالح فكرة الاصطفاف.
    ولذلك فإن المجتمعات التي تحتلها السياسة تفقد قدرتها على إنتاج:
    التوازن،
    والرقابة،
    والمرجعية الأخلاقية،
    والمصلحة الوطنية المشتركة.
    لأن المجتمع نفسه يصبح جزءًا من معركة السلطة بدل أن يكون رقيبًا عليها.
    ولهذا فإن واحدة من أهم وظائف المجتمع المدني الحقيقي هي:
    حماية المجتمع من ابتلاع السياسة له.
    أي الحفاظ على وجود مساحات وطنية مستقلة عن الصراع الحزبي المباشر.
    مساحات تعمل على:
    بناء الوعي،
    وحماية التوازن الاجتماعي،
    وترسيخ فكرة الدولة،
    وصناعة المرجعية الوطنية المشتركة.
    لكن الأزمة في السودان أن كثيرًا من المؤسسات التي كان يفترض أن تقوم بهذا الدور، تم تسييسها بصورة عميقة.
    فأصبحت بعض مؤسسات المجتمع المدني نفسها تتحرك أحيانًا بمنطق:
    الاستقطاب،
    والمعركة السياسية،
    والتموضع الأيديولوجي.
    وهنا لم يعد المجتمع المدني:
    مجتمعًا…
    بل تحول في بعض الحالات إلى امتداد للنزاع السياسي.
    ومن هنا يمكن فهم لماذا تضعف فكرة الوطن كلما تصاعد الاستقطاب الحزبي.
    لأن السياسة حين تبتلع المجتمع، فإنها تُفقده قدرته على إنتاج:
    هوية جامعة،
    أو ذاكرة مشتركة،
    أو مرجعية تعلو فوق الأحزاب.
    وفي هذه اللحظة تصبح كل جماعة سياسية وكأنها تحاول إنشاء:
    “مجتمعها الخاص”
    داخل الوطن الواحد.
    وهنا يتفكك المجال الوطني تدريجيًا.
    ولذلك فإن بناء الدولة الحديثة لا ينجح فقط عبر بناء المؤسسات السياسية، وإنما يحتاج أيضًا إلى:
    مجتمع قوي مستقل عن الهيمنة الحزبية.
    مجتمع يملك القدرة على:
    مراقبة السلطة،
    وحماية التوازن،
    وصناعة المرجعية الوطنية،
    ومنع السياسة من التحول إلى مشروع سيطرة شاملة.
    ولهذا فإن الفرق كبير بين:
    مجتمع ينتج السياسة…
    ومجتمع تبتلعه السياسة.
    ففي الحالة الأولى تكون الدولة قابلة للاستقرار.
    أما في الحالة الثانية فإن الوطن نفسه يتحول إلى ساحة دائمة للصراع وإعادة الاصطفاف.
    ومن هنا فإن السودان لا يحتاج فقط إلى إصلاح سياسي…
    بل يحتاج أيضًا إلى:
    تحرير المجتمع من الاحتكار السياسي.
    حتى تعود السياسة إلى حجمها الطبيعي:
    وظيفة لإدارة الدولة…
    لا مشروعًا لإعادة تشكيل المجتمع كله وفق رغبات القوى المتصارعة.
    لأن المجتمعات التي تفقد استقلالها أمام السياسة…
    تفقد تدريجيًا قدرتها على حماية الدولة نفسها.
    وحين يضعف المجتمع…
    تتحول الدولة إلى مجرد ساحة صراع بين الجماعات الأقوى.
    أما الدولة الحقيقية…
    فهي التي يبقى فيها المجتمع أكبر من الأحزاب…
    والوطن أوسع من الأيديولوجيا.