م.اسماعيل بابكر
الخبير الدولي للأمن السيبراني وحماية الشبكات
هذه العبارة تلخص بدقة ما يُعرف في الحروب الحديثة بمفارقة الانكماش الميداني والتمدد الرقمي.
فكلما خسرت المليشيا مواقع استراتيجية وتراجعت قوتها الفعلية على الأرض تضاعفت حاجتها للاعتماد على المعارك الافتراضية كآلية تعويضية مستميتة لتغطية الخسائر وصناعة انتصارات وهمية.
عند الحديث عن توظيف “المليشيا في الملتيمديا(خاصة في السياق السوداني الحالي) فإننا نجد أنفسنا أمام استراتيجية إعلامية رقمية معقدة وممنهجة تتجاوز مجرد النشر العشوائي.
لقد تحولت الوسائط المتعددة (Multimedia)
إلى سلاح موازٍ للعمليات العسكرية على الأرض، ويتم استخدامها لتحقيق أهداف نفسية وسياسية محددة.
هذا السلوك الرقمي الممنهج عند الهزيمة ميدانياً يعتمد على عدة تكتيكات مكشوفة:
يمكن تفكيك هذا التوظيف إلى عدة محاور رئيسية:
1.صناعة وتوجيه المحتوى الرقمي
المكاتب الإعلامية المتخصصة:
لم يعد النشر مقتصراً على أفراد بل يدير المنصات غرف إعلامية ومكاتب استشارية (بعضها خارجي) تشرف على إنتاج محتوى مرئي عالي الدقة (HD) وممنتج بطرق احترافية تشبه الوثائقيات العسكرية.
البث المباشر : يُستخدم كأداة لإثبات الوجود الميداني الفوري، وغالباً ما يتم توظيفه بعد السيطرة على مناطق أو مرافق حيوية لبث رسائل النصر وإحباط الروح المعنوية للطرف الآخر.
2. الحرب النفسية وإدارة السردية
التسويق السياسي الدولي:
إنتاج مقاطع فيديو ومواد مصورة باللغات الأجنبية (كالإنجليزية والفرنسية) تخاطب المجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية لمحاولة تقديم المليشيا كـ “قوة نظامية” أو حامٍ للمدنيين والتحول الديمقراطي، والتباعد عن تهم الإرهاب والانتهاكات.
البروباغندا الموجهة للداخل: دمج الأناشيد الحماسية (أغاني الحماس والربابة مع لقطات استعراض القوة العسكرية والمدرعات لترسيخ صورة “القوة التي لا تقهر” واجتذاب المجندين الجدد.
3. التضليل وصناعة الوعي الزائف
الفيديوهات المفبركة والمجتزأة:
استخدام مقاطع قديمة أو مأخوذة من سياقات ونزاعات أخرى (مثل حروب في دول مجاورة) ونسبها لمعارك حالية لإظهار تقدم وهمي.
الذكاء الاصطناعي والتزييف العميق: استغلال التقنيات الحديثة لتزييف تصريحات لقادة عسكريين أو سياسيين، أو فبركة بيانات تهدف إلى إحداث بلبلة في الصفوف المقابلة أو قطع الاتصالات المعنوية بين المواطنين وقيادتهم.
4. شبكات الذباب الإلكتروني
إغراق المنصات: استخدام خوارزميات منصات التواصل الاجتماعي (مثل X، تيك توك، وفيسبوك) عبر آلاف الحسابات الوهمية والمنسقة لرفع وسوم معينة، وضمان تصدر مقاطع الفيديو الخاصة بالمليشيا لقوائم الأكثر تداولاً مما يمنح روايتهم زخماً أكبر من حجمها الحقيقي.
منظور الأمن السيبراني ومكافحة التضليل:
في مواجهة هذه الترسانة الرقمية تصبح “التوعية السيبرانية” والتحليل الجنائي الرقمي خط الدفاع الأول للمجتمع والجهات الأمنية. ويشمل ذلك:
التحقق من البيانات الوصفية للصور ومقاطع الفيديو لكشف تاريخ ومكان التقاطها الحقيقي.
الاعتماد على منصات التحقق الوطنية والمستقلة لفرز الأخبار الكاذبة قبل إعادة نشرها.
انكسار السردية الرقمية:
إن الاعتماد المفرط للمليشيات على الكذب في الوسائط المتعددة (Multimedia) يحمل في طياته بذور فشله فبمجرد أن تكشف أدوات التحقيق الجنائي الرقمي ومصادر الاستخبارات المفتوحة زيف مقطع واحد تسقط مصداقية المنظومة الإعلامية للمليشيا بالكامل، وتحول منصاتهم من أداة حرب نفسية إلى دليل تقني يثبت حجم العجز والمأزق الميداني والهزيمة الذي يعيشونها.











إرسال تعليق