العودة ليست إلى السودان … بل إلى أنفسنا أولاً

  • بتاريخ : 23 يونيو، 2026 - 1:34 م
  • الزيارات : 33
  • بقلم: م. م. الإمام عبداللطيف

    أجبرتنا الحرب على مغادرة بيوتنا وديارنا، لكنها منحتنا فرصة لا تُعوّض: أن نحاكم أنفسنا قبل ان نحاكم غيرنا

    على امتداد شهور النزوح واللجوء، لم نشاهد معجزات. شاهدنا أشياء عادية جداً، لكنها غابت عنا طويلاً:
    شوارع نظيفة لأن الناس يرون النظافة مسؤولية شخصية، لا وظيفة.
    أرصفة للمشاة بقيت للمشاة حتى بلا شرطي.
    إشارات مرور تُحترم حتى في غياب الرقيب، ومؤسسات تعمل لأن أداء الواجب جزء من ضمير المجتمع.

    ورأينا شعوباً تعاني اقتصادياً مثلنا، لكنها لم تجعل من معاناتها عذراً للفوضى والإهمال.

    هناك أدركنا الحقيقة التي تهربنا منها سنين:
    *الفرق بين الأمم لا تصنعه الثروات وحدها، تصنعه الوطنية، واحترام النظام، والشعور بالمسؤولية، والانتماء*

    واليوم، ونحن نتطلع إلى العودة، يلح علينا سؤال واحد:
    هل سنعود بعقول جديدة؟ أم سنعود فقط إلى نفس الأماكن القديمة بنفس العقول القديمة؟

    فالأوطان لا تهدمها المدافع وحدها.
    تهدمها عدم الوطنية واللامبالاة التي نمارسها في التفاصيل الصغيرة
    • حين نرمي النفايات حيث نقف.
    • حين نكسر المرافق العامة ونقول “الحكومة تصلحها”.
    • حين نكسر القانون لأنفسنا ثم نطالب الآخرين باحترامه.
    • حين ننتظر من الدولة أن تفعل كل شيء، ونحن لا نفعل شيئاً.

    لقد دفعنا ثمناً باهظاً من أمننا وأمن أبنائنا ومستقبلهم.
    فليس من الحكمة أن تمر هذه المحنة دون أن تغيّر فينا شيئاً.

    إعادة إعمار السودان لا تبدأ بالإسمنت والحديد. تبدأ بإعادة إعمار الإنسان السوداني.

    تبدأ من:
    • احترام الوقت – فبه يرتفع الأداء ويزيد الإنتاج
    • احترام العمل – فبه تُبنى الأوطان
    • احترام القانون – فبه تحفظ الحقوق
    • احترام الكفاءة – فبها تتقدم الأمم
    • رفض المحسوبية – فبالعدل تستقيم الدول
    • احترام وقبول الآخر – فهو الساعد الذي يبني معي
    • احترام المكان – فهو بيتنا الكبير

    لسنا في حاجة لمزيد من الشعارات. نحن في حاجة لثقافة جديدة تجعل حب الوطن فعلاً يُمارس كل صباح، لا كلمات تُقال في المناسبات.

    خرجنا من وطننا مكرهين، نحمل في قلوبنا ألم الفراق ومرارة الغياب.
    لكن لا ينبغي أن نعود كما خرجنا.

    يجب أن نعود أكثر وعياً بقيمة الوطن، وأكثر استعداداً لحمل مسؤولية بنائه.

    فالمحنة التي لا تغيّر وعينا ليست سوى ألم ضائع.
    والتجربة التي لا تترك أثراً في سلوكنا ليست سوى صفحة عابرة من المعاناة.

    *_السودان الذي نحلم به لن تبنيه الحكومات وحدها، ولن تشيده الخطب والشعارات.
    *سيبنيه شعب قرر أن يبدأ التغيير من نفسه أولاً*

    وحينها فقط…
    لن تكون العودة إلى السودان مجرد رجوع إلى الجغرافيا.
    *بل ستكون العودة إلى أفضل ما فينا.*