بقلم:الطيب مضوي شيقوق / المحامي
ليس أخطر ما يواجه الأمم أن تفقد بعض مواردها، أو أن تتعثر مشاريعها الاقتصادية، فكل ذلك يمكن تعويضه مع مرور الزمن. لكن الخطر الحقيقي يبدأ حين تفقد الأمة ذاكرتها، وتصبح عاجزة عن استدعاء ملامحها القديمة وقيمها التي صنعت شخصيتها عبر الأجيال.
لقد عاش الإنسان السوداني، شأنه شأن كثير من شعوب العالم، تحولات عميقة في العقود الأخيرة. دخلت التكنولوجيا إلى البيوت، وحملت الهواتف الذكية العالم كله إلى راحة اليد، وأصبح الخبر الذي كان يستغرق أياماً أو أسابيع ليصل إلى القرية يصل اليوم في لحظات معدودة. وهي بلا شك نقلة حضارية مهمة لا يمكن إنكار فوائدها.
غير أن هذه الثورة الرقمية، على ما فيها من مزايا، فرضت واقعاً جديداً أخذ يزاحم كثيراً من مكونات الذاكرة الاجتماعية والثقافية التي كانت تشكل وجدان المجتمع.
في الماضي لم تكن القرية مجرد مكان للسكن. كانت مدرسةً مفتوحة، ومكتبةً بلا جدران، ومنتدىً للحوار، ومسرحاً للحكايات، وفضاءً تتناقل فيه الأجيال الخبرة والمعرفة والقيم. كان الأطفال يجلسون إلى الكبار فيستمعون إلى قصص البطولة والشهامة، ويحفظون الأمثال والحكم، ويتعلمون آداب الحديث واحترام الآخرين دون حاجة إلى مقررات أو مناهج مكتوبة.
وكان لكل قرية شيوخها الذين يحملون تاريخها في صدورهم، يحفظون الأنساب، ويروون الوقائع، ويستدعون من الذاكرة أحداثاً مضى عليها عشرات السنين وكأنها حدثت بالأمس. وكان الناس يدركون أن هؤلاء ليسوا مجرد كبار في السن، بل خزائن معرفة حية تمشي بين الناس.
أما اليوم فقد تغير المشهد كثيراً. أصبح الهاتف الذكي رفيق الإنسان الدائم، وأصبحت الشاشة الصغيرة نافذته الأولى على العالم. وصار كثير من الشباب يعرفون تفاصيل حياة أشخاص يعيشون في أقاصي الأرض أكثر مما يعرفون عن تاريخ قراهم أو سير رجالها ونسائها الذين صنعوا مجدها.
وليس المقصود من ذلك الدعوة إلى رفض التكنولوجيا أو الانغلاق أمام العصر، فذلك أمر لا يقبله عقل ولا يفرضه واقع. وإنما المقصود أن نتعامل مع وسائل العصر باعتبارها أدوات لخدمة الثقافة والهوية، لا بديلاً عنهما.
فالذاكرة الثقافية ليست ترفاً فكرياً، وإنما هي جزء من الأمن الاجتماعي للأمم. الأمة التي تعرف تاريخها تكون أكثر قدرة على فهم حاضرها وبناء مستقبلها. أما الأمة التي تنقطع عن جذورها فإنها تصبح أكثر عرضة للتيه والاضطراب وفقدان البوصلة.
ولعل من واجبنا اليوم أن نوثق حكايات الآباء والأجداد قبل أن تغيب أصواتهم إلى الأبد. وأن نسجل الأمثال الشعبية والأشعار والقصص والسير المحلية. وأن نُعرِّف أبناءنا بالرموز التي خدمت مجتمعاتها في صمت بعيداً عن الأضواء.
فالأوطان لا تُبنى بالمشروعات المادية وحدها، بل تُبنى أيضاً بالذاكرة التي تحفظ الروح والمعنى.
وقد قيل إن الأمة التي تنسى ماضيها تضطر إلى أن تعيش أخطاءه من جديد. ولذلك فإن الحفاظ على الذاكرة ليس بكاءً على الأطلال، بل هو استثمار في المستقبل.
إن الشاشة الصغيرة نعمة من نعم العصر إذا أحسنّا استخدامها، فهي تفتح لنا نوافذ واسعة على المعرفة والعالم. غير أن الحكمة تقتضي ألا نسمح لها بأن تسرق منا دفء المجالس، أو أن تمحو من ذاكرتنا أصوات الآباء والأجداد وتجاربهم. فالأمم العظيمة لا تعيش بالمستقبل وحده، بل تستمد قوتها من جذورها أيضاً. وكلما حافظنا على ذاكرتنا الثقافية وتراثنا الإنساني، ازددنا قدرة على بناء مستقبل أكثر ثباتاً وإشراقاً، لأن الشجرة لا تسمو فروعها في السماء إلا إذا كانت جذورها عميقة في الأرض.











إرسال تعليق