السودان وعلل الفشل في بناء الدولة (14)

  • بتاريخ : 20 يونيو، 2026 - 5:11 م
  • الزيارات : 61
  • بقلم /م. مامون محمد الطيب عمر

    الحلقة الرابعة عشر

    الحكم الثنائي المسمى .. المدلول .. والأثر ..

    دولة الحكم الثنائي التي أسسها البريطانيون مصطحبين معهم بعضا من المصريين سميت لهذا التركيب وعرفت بهذا الإسم في تاريخ السودان الحديث .. رغم أنه إسم لغير مسمى حقيقي إلا إن مدلوله وأثره على الإنسان بدولة السودان طبع الحياة في الدولة الناشئة بصفة الثنائية كما المسمى في كثير من أنشطة الحياة و مظاهرها ..
    تلك الثنائية أحد أكثر التغييرات التي حدثت في طرائق التفكير وأنماط السلوك لدى السودانيين وضوحا ..

    فكانت ثنائية في الوجود الجغرافي بين شمال وجنوب أوقف قسرا حركة المجتمع الطبيعية في التلاقح العرقي والديني والثقافي الذي كان يحدث تلقائيا خلال الحقب التي سبقت دخول الغزاة وإن ببطء بين عناصر وشعوب السودان في الشطرين وتلك بذرة الخبث التي نمت وترعرعت وأشتد جزعها وأستطالت فروعها حتى أنتهت بالإنشطار الذي شهدنا ولا أعفى أنفسنا كسودانيين من التسبب في حدوثه بل هو أحد تمظهرات الفشل السياسي والإحتقان الإجتماعي الموروث الذي لم ننجح في مداواته ..
    وفشل الإدارات السياسية المتعاقبة نتج عن غياب الرؤية الشاملة لبناء دولة وطنية تستوعب التنوع الكبير الذي نتج عن تجمع اقاليم شديدة التباين في تكويناتها واصولها العرقية وثقافاتها و الانشغال عن تلك التحديات الكبرى بصراع الديكة و صغار القامات قصيري النظر على مواقع السلطة و مقاعدها و عوائدها المعنوية والمادية عن عظائم الامور في بناء دولة قابلة للبقاء والنماء فاضاعوا بهذا القصور فرصة ذهبية اتيحت لهم وما زلنا نتجرع مرارة فشلهم وأنانيتهم عن بلوغ مقام رجالات الدولة العظام ممن عاصروا و الذين أسسوا دولا ناجحة و قدموا أنفسهم قتلا او سجنا وتشريدا في سبيل ذلك .. اضاعوا فرصة منح الجنوب حكما فيدراليا او حتى سلطة إقليمية بسلطات واسعة خارج تحكم المركز في الخركومكان من الممكن أن يخلق نموذجا لكل السودان الواسع بأقاليمه المتباينة وفضلوا شن حرب وسعت الشرخ ومنعت التلاقح الحر والطبيعي بين الشطرين .. وبدلا من ذلك تكرر الخطأ وما زال يعصف بما تبقي من السودان مهددا وجوده ووحدته .. فكانت الثنائيات المصطنعة سرطان الدولة و المجتمع معا ..

    من أبرز مظاهر الثنائية صناعة الطائفية المتصارعة على المستويين السياسي والإجتماعي بين قطب مستصحب معية جيش الغزو وأخر مدجن بالعطايا السخية .. يلحظ أثرها المدمر على التطور السياسي للبلد بعد نيل إستقلاله وحتى كتابتي لهذه السطور .. وأثرها الاجتماعي بالإنقسام المعروف على مستوى الأفراد العاديين في الجهة أو القبيلة أو حتى البيت الواحد .. حيث أستتبعت كل طائفة أفرادا أو فريقا من الناس أو الجهات أو القبائل تحت ظلها ..

    وكان من أوضح مظاهر الثنائية أيضا إعادة توزبع الطبقات على قواعد جديدة منها على سبيل المثال لا الحصر الثنائية بين الذين نالوا قسطا من التعليم النظامي ومن لم يدركوا منه حظا ..

    وبين ساكنى المدن والحواضر من جهة وأهل القرى والبوادي من جهة أخرى .. و بين طبقة الأثرياء وأهل المال ممن وفد من خارج البلاد خاصة أو من تكسب من إتصالها بعطايا الغزاة .. وأهلها الأصيلين فيها .. وبين قبائل وجهات مقربة وأخرى مبعدة عن دوائر السلطة والمال في الخدمتين المدنية والعسكرية .. وبين البيوتات الممثلة للزعامات القبلية القديمة وعامة الناس .. وبين أهل الولاء وأهل المقاومة والعصيان ..

    وإستحداث الثنائية الدينية بإستجلاب المسيحية الغربية وتوطينها في المناطق التي لم يصلها الإسلام أو لم يستقر في نفوس أهلها بعد و أظهرت وجودها بالصوامع ودور العبادة و منظومات التعليم ..

    اضف لذلك الثنائية المقيمة بين الإسلام الأصولي يمثله الأزهريون والسلطة المملوكية أيام إحتلالها للسودان وإمتدادته الحالية ممثلة في تيارات الإسلام السياسي الحديثة .. والإسلام التقليدي السناري صوفي الهوى والتوجه والسلوك ..

    لن يكون منصفا أن أشير لهذه الثنائيات التي صبغت المجتمعات السودانية بسلبياتها دون الحديث عن أمثلة لإيجابيات وجدت باسهام الدولة وسادتها الجدد وذلك بفتح الباب واسعا لأهل السودان للإتصال بأسباب المدنية الحديثة و مكتسباتها ..

    أواصل ..