بقلم/دكتور الزبير حمزة الزبير
في عام 2003م،وبينما كنت في الاردن مع مجموعة من الزملاء لامتحان طلاب البكالريوس التابع لجامعة وادي النيل راودتني فكرة ان ازور سوريا وهي ليست ببعيدة من الاردن تربطها بها خط بري فوفقنا الله لذلك ومكثت فيها فترة حيث وجدت نفسي مدفوعاً بقوة خفية لزيارة أحد أعظم المعالم الإسلامية فيها وهو المسجد الأموي ولم تكن زياتي له مجرد محطة سياحية عابرة بل كانت استجابة لنداء داخلي حملني إلى حيث صنعت صفحات من تاريخ المسلمين
كانت دمشق في ذلك اليوم تبدو وكأنها تستقبل أبناء التاريخ قبل أبناء الحاضر فهذه المدينة التي شهدت قيام الدولة الأموية لا تزال تحتفظ في أزقتها ومساجدها وأسواقها بعبق القرون الأولى للإسلام وعندما اقتربت من المسجد الأموي ازداد إحساسي بأنني لا أتجه إلى بناء أثري فحسب بل إلى فضاء تتداخل فيه الأزمنة وتتعانق فيه الذكريات
وحين دخلت المسجد استحضرت في ذهني أسماء الخلفاء والأمراء والعلماء الذين مروا من هنا وقفت أتأمل المحراب والأروقة وأتساءل كم من قائد صلى في هذا المكان وكم من عالم ألقى درسه بين هذه الأعمدة وكم من قرار غير وجه التاريخ خرج من هذه المدينة التي كانت يوماً عاصمة لأمة امتدت حدودها من أطراف الصين إلى جنوب فرنسا
وفي أثناء تلك التأملات لم يغب عن ذهني وطني السودان ولم تغب عني مديني سنار التي شكلت في الوجدان رمزاً لمجد سياسي وحضاري عريق فكما كانت دمشق عاصمة للدولة الأموية كانت سنار عاصمة دولة الفونج التي عرفت في التاريخ السوداني بسلطنة سنار أو السلطنة الزرقاء
ولعل ما أثار في نفسي المقارنة أن الحضارات، مهما اختلفت أحجامها وأزمانها تشترك في أنها تترك آثاراً في وجدان الشعوب تتجاوز حدود السياسة والسلطان فالدولة الأموية أسست نموذجاً للدولة الإسلامية الكبرى التي جمعت بين القوة والتنظيم والإدارة والعمران بينما مثلت دولة سنار نقطة تحول كبرى في تاريخ السودان إذ نجحت في توحيد مساحات واسعة من البلاد وأرست دعائم الاستقرار السياسي والثقافي لعدة قرون
وفي رحاب المسجد الأموي تذكرت كيف كانت سنار أيضاً مركزاً للعلم والدين والثقافة في السودان فقد اجتمع فيها العلماء والفقهاء والمتصوفة وانتشرت منها الخلاوي ومراكز التعليم الديني إلى مختلف الأقاليم وكما كانت دمشق تستقبل العلماء من أقطار العالم الإسلامي كانت سنار تمثل قبلة للطلاب وطلاب المعرفة في محيطها الإقليمي
إن الزائر للمسجد الأموي يشعر بعظمة البناء وعظمة الدولة التي أنشأته ورعته أما السوداني حين يتأمل تاريخ سنار فإنه يستشعر عظمة التجربة التي صاغت جانباً مهماً من الشخصية السودانية فسنار لم تكن مجرد عاصمة سياسية بل كانت مشروعاً حضارياً أسهم في نشر الثقافة العربية الإسلامية وترسيخ القيم الدينية والاجتماعية التي ما زالت حاضرة في المجتمع السوداني حتى اليوم
وبينما كنت أصلي في المسجد الأموي،خطر ببالي أن الأمم لا تقاس فقط بما تملكه من قوة في زمنها وإنما بما تتركه من أثر بعد رحيلها لقد زالت الدولة الأموية منذ أكثر من ألف عام لكن المسجد الأموي ما زال قائماً شاهداً على عصرها وكذلك انقضت قرون على دولة سنار غير أن أثرها لا يزال حياً في الثقافة واللغة والعادات والتقاليد وفي الذاكرة الوطنية للسودانيين
هناك، في قلب دمشق، أدركت أن تاريخ الأمة الإسلامية سلسلة مترابطة الحلقات حلقة في دمشق وأخرى في بغداد وثالثة في القاهرة ورابعة في سنار. لكل مدينة دورها ولكل دولة إسهامها ولكل جيل رسالته وما يجمع هذه الحلقات جميعاً هو السعي إلى بناء الإنسان والعمران وترسيخ القيم التي تنهض بها الأمم
خرجت من المسجد الأموي وأنا أحمل شعوراً مزدوجاً فخراً بتاريخ الأمة الإسلامية الكبير الذي تمثله دمشق واعتزازاً بتاريخ السودان الذي تمثله سنار وشعرت أن زيارة ذلك المسجد لم تكن مجرد رحلة إلى مكان مقدس بل كانت رحلة فكرية وروحية أعادت ربط الحاضر بالماضي وربطت بين أمجاد الشام وأمجاد السودان في لوحة واحدة عنوانها الحضارة والهوية والذاكرة.
وما زلت أعتقد أن الأمم التي تحفظ تاريخها وتستلهم تجارب أسلافها هي الأقدر على بناء مستقبلها فدمشق وسنار ليستا مجرد مدينتين في كتب التاريخ بل رمزان لمعنى أعمق معنى أن الحضارة الحقيقية لا تموت ما دام هناك من يتذكرها ويتعلم من دروسها ويستلهم من أمجادها طريقاً نحو الغد











إرسال تعليق