بقلم / م.اسماعيل بابكر
الخبير الدولي للأمن السيبراني وحماية الشبكات
تُعد حماية البنى التحتية الحساسة من الهجمات الموجهة واحدة من أعقد مهام الأمن السيبراني، نظراً لأن هذه الهجمات لا تعتمد على العشوائية بل يجري التخطيط لها لفترات طويلة من قبل مجموعات منظمة أو مدعومة من دول وتستهدف قطاعات حيوية كشبكات الاتصالات، منظومات الطيران المدني المنشآت النفطية والتعدينية والمؤسسات المصرفية.
تتطلب مواجهة هذه التهديدات استراتيجية دفاعية عميقة متعددة الطبقات .
إليك الهيكل التقني والتشغيلي لتأمين هذه البنى الاستراتيجية:
1.الفصل الهيكلي وعزل الشبكات
أول خطوة حاسمة لحماية البنية التحتية هي منع الهجوم من الانتشار إذا تمكن من اختراق نقطة ما:
عزل بيئة التشغيل
عن بيئة الإدارة يجب فصل شبكات التحكم الصناعي والأنظمة التشغيلية فصلاً تاماً أو عبر بوابات مقيدة جداً عن شبكة المكاتب الإدارية والإنترنت لمنع هجمات مثل الفدية (Ransomware) من الوصول للأنظمة الحساسة.
*إنشاء مناطق معزولة: وضع الخوادم التي تتطلب اتصالاً خارجياً (مثل بوابات الخدمات الرقمية) في منطقة معزولة خاضعة للمراقبة الصارمة.
*تطبيق مفهوم الثقة الصفرية:
لا يتم الوثوق بأي جهاز أو مستخدم تلقائياً حتى وإن كان داخل الشبكة الداخلية؛ كل محاولة وصول تتطلب تحقّقاً مستمراً.
2.آليات الدفاع التكتيكي ضد أساليب الاختراق الحديثة
تستخدم الهجمات الموجهة تقنيات متطورة لتجاوز الدفاعات التقليدية ويتم مواجهتها كالتالي:
*مواجهة هجمات الهوية الرقمية (مثل SIM Swapping):** حظر الاعتماد على الرسائل النصية (SMS) كوسيلة وحيدة للتحقق الثنائي (2FA) في الأنظمة الحساسة، واستبدالها بمفاتيح أمان فيزيائية أو تطبيقات التحقق المشفرة.
*تأمين الثغرات الصفرية (Zero-Day) وهجمات الـ Zero-Click: الاستثمار في أنظمة كشف السلوك والاعتماد على الذكاء الاصطناعي بدلاً من برامج مكافحة الفيروسات التقليدية التي تعتمد على التواقيع الجاهزة فقط. هذه الأنظمة تراقب أي سلوك غير طبيعي في النظام فور حدوثه.
*الحماية من هجمات الممر المائي :
تشديد الرقابة وتصفية حركة المرور للمواقع والمنصات الخارجية التي يتردد عليها موظفو المؤسسة بانتظام، مع عزل متصفحات الإنترنت عبر تقنيات (Browser\ Isolation).
3.الرصد والتحقيق الرقمي الاستباقي
الانتظار حتى وقوع الهجوم هو فشل بحد ذاته لذلك تعتمد الحماية الحديثة على المراقبة والتحليل المستمر:
مركز العمليات الأمنية: إدارة منظومة مراقبة تعمل على مدار الساعة (24/7) لجمع وتحليل السجلات (Logs) من كافة أجهزة ومكونات البنية التحتية باستخدام أنظمة SIEM.
التحقيق الرقمي الجنائي (Digital Forensics):
بناء قدرات داخلية لفرق الاستجابة للحوادث (IR) لتمكينها من سحب الأدلة الرقمية فوراً، وتحليل البرمجيات الخبيثة لمعرفة مصدر الهجوم والأهداف التي سعى للوصول إليها دون التأثير على استمرارية العمل.
4.تعزيز الثقافة الرقمية والأمن البشري
بما أن”العنصر البشري” هو الحلقة الأضعف وغالباً ما يتم استهدافه عبر الهندسة الاجتماعية لفتح ثغرة داخل الشبكة، فإن التدريب التخصصي يعد ركيزة أساسية: *تنفيذ محاكاة دورية لهجمات التصيد الموجه (Spear-Phishing) لرفع جاهزية الموظفين.
*صياغة سياسات صارمة تمنع استخدام الأجهزة الشخصية أو وسائط التخزين غير الفاحصة داخل بيئة العمل الحساسة.
5.الحوكمة السيبرانية واستمرارية الأعمال
النسخ الاحتياطي المعزول
الاحتفاظ بنسخ احتياطية من البيانات الحساسة والأنظمة التشغيلية في بيئة معزولة تماماً وفيزيائياً عن الشبكة، لضمان استعادة العمليات بسرعة في حال حدوث تدمير للأنظمة الأساسية.
*خطط الطوارئ المُجربة: وضع سيناريوهات واضحة ومُجربة وموزعة الأدوار للتعامل مع أي اختراق سيبراني، مما يقلل من زمن اتخاذ القرار وقت الأزمة.
تأمين البنية التحتية هو عملية ديناميكية مستمرة تتطلب تحديثاً دورياً لسيناريوهات التهديد ومواكبةً لأحدث أساليب المجموعات التخريبية.











إرسال تعليق