بقلم /م .مامون محمد الطيب عمر
الحلقة الثالثة عشر
لتحقيق الهدف الإقتصادي المقصود إنتخبت السلطة البريطانية خلاصة المجتمع البريطاني من متعلميها وقادتها لتنفيذ مشروع إدارة الدولة التي ستبني في السودان وأعتمدت تقنيات وأساليب متعددة لإحكام السيطرة الناعمة على شعوب شديدة المراس معتدة بنفسها وتاريخها ومعتقداتها وثقافاتها
فإلى جانب الإنبهار الذي أخذ بالالباب بمنتجات المدنيةالغربية وأنماط العيش والسلوك ووسائل الإدارة وتنظيم العمل الجديدة على هذه الشعوب إستعانت السلطة البريطانية بالمرتكزات المحلية لهذه الشعوب لضمان هذه السيطرة بأقل التكاليف ..فعمدت لبناء مركزين طائفيين حول بيت آل الميرغني والمهدي مستخدمة العاطفة الدينية لدى قطاعات واسعة من الأتباع للتحكم والسيطرة على هذه الجموع الكبيرة وتوجيه حركتها وفق مصالحها كما أستفادت أيضا من تراث بيوتات الطرق الصوفية الأخرى ومن الزعامات القبلية فيما عرف بالإدارة الاهلية لاحقا لتحقيق ذات الغرض ..
تزامنت هذه الأعمال والأنشطة مع الشروع الباكر في إنشاء مشروع القرن لإنتاج القطن بمنطقة الجزيرة الذي إستتبعه تأسيس البنى التحتية الكاملة له بالجزيرة ومراكز إعداد السلعة ونقلها للتصدير بتوسيع المواعين الناقلة بشبكة السكك الحديدية الممتدة بين مناطق الإنتاج وميناء التصدير الذي تم إنشاؤه وتدشينه لهذا الغرض و لأغراض أخرى متعددة وإدخال الناقلات البرية والسفن البحرية والنهرية وإنشاء حواضر جديدة على إمتدادها وإعادة تأسيس القائم منها على النمط المعماري الغربي في الإنشاء والتنظيم داخل المشروع وعلى إمتداد الشبكة الناقلة وحظيت عاصمة الحكم بقدر وافر من ذلك كما بدأ العمل المتزامن لإنشاء محاضن لتخريج القوى العاملة المحلية فيما عرف بالتعليم النظامي للذكور أولا ثم الإناث لاحقا مقلصا لدور التعليم التقليدي القائم على خلاوى تعليم القرآن (الكتاتيب) فحققت هدفها بالحصول على القوى العاملة في دولاب الدولة ومشروعاتها وإقصاء التعليم التقليدي تدريجيا من المشهد العام .. وإبتعاد النشء الجديد عن روافده العقدية تدريجيا
كما أدخلت وسائل الإتصال الحديثة وأجهزة الإعلام المؤثر بإنشاء الإذاعة ودور الصحف والسينما و شبكة البريد والنقل الحديث للمواطنين بهذه الحواضر وفيما بينها وانتشرت التجارة البينية كما توسعت التجارة مع الخارج وإنخرط عدد مقدر من السودانيين بها إلى جانب الأجانب الذين جذبتهم فرص الإستثمار الكبيرة بالدولة الناهضة ..
لقد كان الإنتقال من نمط الحياة السائد كبيرا وسريعا في عقود قليلة نتج عنه تغير كبير في التركيبة الإجتماعية و ظهور طبقات جديدة خاصة في الحواضر والبلدات الواقعة على إمتداد الطرق المهمة وبرزت مظاهر جديدة للحياة والسلوك ..تزامن ذلك وقيام حربين عالميتيبن كبيرتين غيرتا موازين القوى العالمية بشكل غير مسبوق وأدتا لتسريع وتيرة الإنتاج العلمي والمادى خدمة لمتطلبات المجهود الحربي كما شهدت الفترة نشوء قوة جديدة تنادي بمفهوم إقتصادي وسياسي جديد ومخالف للنظام الرأسمالي السائد في حقبة الإحتلال الإستيطاني للدول ممثلة في الثورة البلشفية التي إقتلعت القيصر في روسيا والمناطق الملحقة بها في أسيا وأسست أول دولة على النظرية الإشتراكية و سعت لتطبيقها بهذه المناطق وتصديرها لبقية دول العالم ..
عاصرت شعوب السودان هذه الأحداث العظام وتأثرت بنتائجها .. فبرزت القوى الحديثة في المدن والحواضر بين طبقات المتعلمين و العمال والزراع وغيرهم من تجمعات .. وبدأ الحراك السياسي وعيا مبكرا للمناداة بالحقوق والسعي للإستقلال عن سلطة المستعمر ..
أواصل ..











إرسال تعليق