السودان وعلل الفشل في بناء الدولة (11)

  • بتاريخ : 15 يونيو، 2026 - 8:41 ص
  • الزيارات : 7
  •  

    بقلم / م.مامون محمد الطيب عمر

    الحلقة الحادية عشر

    أواصل الحديث عن الأثر الذي تركته دولة المهدية حتى نهايتها بالغزو البريطاني المصري تجاوزا حيث كانت الدولة المصرية وقتها تحت الإنتداب البريطاني فاقدة لإستقلالها الوطني ..

    عاشت الدولة في عهد عبدالله ودتورشين أو التعايشي .. نسبة لقبيلته .. في خضم تغيرات إقليمية ودولية فاقت مقدرتها على مجاراتها وأتسمت إدارته للدولة في ظل هذه الظروف بالعشوائية وسوء تقدير المخاطر المحدقة بوجودها وكان في ذلك أدنى من شيخه وقائد الثورة الشعبية الشيخ محمد أحمد في إدارته وحنكته السياسية والعسكرية فعلى قدر نجاح القائد في جمع شتيت قبائل السودان وتوحيد أكثرها تحت راية واحدة فشل خلفه ففرق وعاد الناس بسبب حرصه على سلطانه من الضياع وكبح جماح الطامعين من خصومه إلي تشرذمهم وإنفرط عقد الأخوة ووحدة الشعور فحل مكانه التنافر والتدابر
    وإنحاز الناس لقبائلهم و عادوا سيرتهم الأولى بين حانق متربص وقانع مبتعد ..

    كان السودان سوقا رائجا لتجارة الرق التي إستقرت بأسواقه الكثيرة وظلت كذلك مظهرا من تشكيلته المجتمعية الموروثة من عهود قديمة و تكونت في مجتمعاته ثنائية السادة والعبيد .. هذه الثنائية وإن كانت مستقرة و معتادة حينها فقد خلقت مشروعا مستقبليا أسهم في ضياع أي فرصة لبناء قومية وطنية متجانسة رغم المحاولات القليلة التي بدأت لإلغائها بضغوط من الإمبراطوريات الرأسمالية الغربية أثناء حكم المماليك (التركية السابقة) وقد تحررت من حاجتها لها مع الثورة الصناعية وسيادة المكينة على جهد الإنسان وقوته العضلية ..
    كانت الدولة المهدوية في أضعف حالاتها تحيطها قوى إقليمية ودولية متربصة فمصر الخديوية تحت وصاية الإمبراطورية البريطانية العظمى تريد الثأر وإسترداد ما تعتبره ملكا خالصا لها .. والجار الشرقي في الحبشة وجهت له حملات الفتح العسكري من أم درمان فله ثأره والإمبراطوريات الاوربية الفرنسية والبريطانية في سعيها الحثيث لكسب مزيد من الأراضي والموارد والأسواق في تنافس محموم متسلحة بالقوة القاهرة والتنظيم الذي بلغ بها شأوا عظيما لا قبل لأحد به .. وليس كالسودان تحت سلطة عبد الله التعايشي فرصة وفريسة سهلة الاقتناص .. فكان يوم الثاني من ديسمبر يوما فاصلا مثل نهاية عهد الدولة السودانية الوليدة وبداية عهد جديد إنفتح فيه السودان والسودانيون على عوالم لم يألفوها وقوى لم يختبروها قبلا ..
    جاء الغزو المدجج بالسلاح الفاتك والخطط العسكرية المحكمة والقوى المادية الممثلة في نتاج العلم والمعارف التي لم تكن لأهل السودان بها معرفة أو إتصال قبل ذلك .. وفوق ذلك كله كان الحانقون من أهل السودان على ما أصابهم من ظلم التعايشي معبرا ويدا سهل للغزاة مهمتهم في إحتلال البلاد وإنهاء الحكم الوطني والتحكم بمقدراتها لأسيادها الجدد .. فاستصحبوا جنودا من الحانقين من دولة التعايشي من بعض أهل السودان كما كان في معيتهم رموزا لها شعبيتها ومريديها مثل علي الميرغني الطامع في إستعادة أسلابه من دولة المهدية .. رجل ذو حظوة وتأثير وقبول لدى قطاع معتبر من أهل السودان .. و هكذا مثل الثاني من سبتمبر يوم الإنكسار والهزيمة العسكرية رغم البسالة والتضحيات العظيمة من المدافعين عن عرينهم .. مثل خطا فاصلا في تاريخ السودان وتطور الحياة فيه فكان السودان على موعد مع المدنية الغربية الرأسمالية بكل جبروتها وحنكتها وعلومها ومنتجاتها وثقافتها وعلى موعد مع إنقلاب كبير على كافة الصعد .. السياسية والإجتماعية والإقتصادية ووسائل الكسب ونظم الحياة وأنماط السلوك ..

    فكيف كان التغيير الكبير خلال حكم أمتد لما يقارب الستة عقود ..؟!

    مقارنة :

    ما أشبه حالنا الليلة بالبارحة .. كأننا شعوب لاتتعلم الدروس من تاريخها القريب .. حين أطل علينا في ليلة .. حسن الترابي وهو صاحب نسب لآل بيت المهدي ليسير بنا ذات الخطى حتى ليلة خناجرها الطويلة المنغرسة في ظهره وظهور شعوب السودان جميعا يقطرا دمها نديا خلل الأصابع .. ثم بقي تعايشيه مسنودا بقبيلته وإن إختلفت المسميات وأنقلب الدور .. لينتهي بنا المقام قشة تذروها رياح الأطماع الجائحة فهرول بنا الجالس على سدة الحكم وعلى أنفاسنا مضطرب المسير يستجدي الحماية من الذئاب بكلب حراسة جائع ..

    أمر أغبط كرامة التعايشي عليه حينما رفض بإباء وعزة عرض الفرنسيس بحمايته من أطماع غرمائمهم البريطانيين المتلمظين شوقا لقطف الثمرة الناضجة وقد فعلوا ..

    ها نحن ما زلنا تحت نتاج عمل الترابي الكارثي رغم ثورة الشباب وتضحياتهم وطنا جريحا مستلبا ..منهوبا ..تتحكم فيه أيدي الطامعين .. فمن يا ترى سيقطف الثمرة الناضجة هذه المرة من فم الجياع من شعوب السودان المتشرذمة تنحاز لقبائلها و أصولها وأعراقها حياض حماية ودرقة مغلوب على أمره ..

    أهم خلائط الأنجلوسكسون بأمريكا الأساطيل المائجة يقدمون حمدوك وشلته عربونا وجسرا متقدما لمقدمهم الباذخ وأكبر سرقات التاريخ لمقدرات أمة .. أم بني الأصفر وديونهم المثقلة .. أم بقية من بوتين البلاشفة الذي تعلقنا بمعطفه طلبا للحماية .. ؟؟؟

    ((كتبت هذه الحلقات قبل إندلاع الحرب الظلوم الحالية على السودان شعبا وأرضا .. حرب خططت لها اللصوصية الدولية ونفذتها عبر ايد اقليمية ومحلية قصدت به التغيير السياسي لحكومة مدجنة إن لم يكن الديموغرافي عبر الاذلال و التهجير و الترويع وفظائع لم يألفها السودانيون .. ولكن الله سلم ..))

    أواصل …