السديرة تدفن أحلامها في البحر… فمن يدفن سماسرة الموت؟

  • بتاريخ : 15 يونيو، 2026 - 12:24 م
  • الزيارات : 5
  • بقلم: م. م. الإمام عبد اللطيف

    هناك مآسٍ لا تمر كخبر في صفحة الحوادث، بل تظل شوكة في حلق الوطن لا تُبلع. ومن أقسى ما إبتلعناه هذه الأيام: غرق ثمانية من شباب السديرة الشرقية والغربية في قاع البحر الأبيض المتوسط، وهم يركضون خلف وهمٍ إسمه “الخلاص”.

    لم يكونوا مجرد أسماء في نشرة أخبار. كانوا أنفاس بيوتنا، كانوا ضحكة الفريق التي إنطفأت، وأمل القرية الذي غرق قبل أن يبلغ الشاطئ. بعضهم لم يشم رائحة العشرين، وبعضهم كان يمشي وفي جيبه صور لأسرته يوريها للغرباء ويقول: “ديل أهلي، وراجع ليهم قريب”.

    *فلماذا ركبوا الموت؟*

    لأننا تركناهم بلا خيار. لأن وطناً أنهكته الحرب أغلق في وجوههم كل باب: لا جامعة تفتح، لا شغل يستر، لا مشروع صغير ينهض، ولا أمل قريب يتمسك به القلب. فصار الهمس في السديرة: “المضطر يركب الصعب”. وحين ييأس المضطر، يصدّق أي شيطان ببدلة، ولو قال له: “إركب هذا المركب المثقوب، والجنة تنتظرك على الضفة”.

    *وهنا تقع الجريمة الكبرى*. الجريمة ليست في البحر، البحر طبيعته الغدر. الجريمة في أولئك السماسرة الذين يتاجرون بالأحلام. يقبضون الثمن مقدماً بالدولار، ويبيعون لشبابنا موتاً مؤجلاً بالتقسيط. لا يهم إن غرق المركب، ولا إن بكت أم، ولا إن انطفأ بيت. همهم الوحيد: العمولة.

    *السديرة ليست حالة خاصة*

    ما حدث في السديرة هو السودان كله في صورة مصغرة. شبابٌ ضاقت بهم أرضهم، فظنوا أن المجهول أرحم من المعلوم. لكن الحقيقة التي يجب أن نصرخ بها في وجههم: السودان وإن جرح، وإن ضاق، وإن أنهكته الحرب، يظل أحنّ من بحر لا يسأل عن إسمك، وأصدق من سمسار لا يرى في حلمك إلا ورقة دولار.

    البحر لا يرد الأمانات. والغربة لا ترحم المكسور. والعيش الحلال وإن كان قاسياً في بلدك، أكرم ألف مرة من موتٍ رخيص في قاعٍ لا قبر فيه.

    *ماذا بعد التعزية؟*

    التعزية وحدها لا تكفي، والرحمة وحدها لا تبني وطناً. نحتاج ثلاثة أشياء فوراً:

    • *حرب على السماسرة*:
    ليس بالبيانات، بل بالقانون والمجتمع. يجب أن يصبح تاجر البشر في قريتنا منبوذاً كما يصبح السارق. يجب أن نفضحه باسمه، ونقطع عنه الطريق، ونحاسبه قبل أن يحاسبنا الله على صمتنا.
    • *فرصة حقيقية للشباب:*
    لا ورش تحفيز ولا شعارات. قروض صغيرة بلا ربا، دعم للمشاريع الزراعية والحرفية، ربط التدريب بالعمل. شبابنا لا يريد صدقة، يريد فرصة.
    • *صدق مع النفس:*
    لا نكذب على أبنائنا ونقول لهم السودان جنة، ولا نتركهم فريسة لأكاذيب الغرب. نقول لهم: نعم البلد مجروح، لكن جرحه يبرأ بأيديكم. والبقاء فيه ومقاومته، أشرف من الهروب إلى قبر مائي.

    *الخاتمة*

    رحم الله شباب السديرة الثمانية، وتقبلهم في الشهداء. وجبر الله كسر أمهاتٍ لن ينمن بعد اليوم، وآباءٍ انطفأت في عيونهم لمعة الانتظار.

    ولأهل السديرة وللسودان كله أقول: دعونا لا نكتفي بالبكاء. لنجعل أسماء هؤلاء الشباب وصية في رقابنا. وصية أن نبني وطناً لا يهرب منه أبناؤه، وأن ندفن السماسرة قبل أن يدفنوا شبابنا في البحر.

    وإنا لله وإنا إليه راجعون.