علي شمو… رجل لا يعرف الغياب

  • بتاريخ : 14 يونيو، 2026 - 9:21 م
  • الزيارات : 16
  • حاطب ليل || د. عبد اللطيف البوني

    (١)
    في ١٩٨٤ زار قريتنا السيد عبد الرحيم محمود حاكم الاقليم الأوسط لتدشين دخول التيار الكهربائي للقرية… وكان في صحبته السيد علي شمو الذي كان وزيرا اتحاديا .القى كلمة القرية رئيس لجنة الاحتفال استاذ الاجيال المرحوم / عبد القادر علي ابراهيم.. وكانت كلمة وافية وضافية.. والقيت انا كلمة الشباب (اي والله كنت شاب )ثم اختتم الحفل السيد حاكم الإقليم الذي اشاد بجهود القرية وبالكلمتين وخص الشباب بتبرع مقداره أربعة الف جنيه .. وكان مبلغا كبيرا ..لم اقترب من الحاكم ولا الوزير لافي الاستقبال ولا الضيافة التي كانت فطورا ولا الوداع … لان هذا شغل أعيان القرية … لكنني كنت استرق النظر من بعيد لبعيد للسيد علي شمو الذي كان يرتدي جلابية سمنية وعلى كتفة عباءة سوداء … بحكم شهرته الإعلامية وكم تمنيت لو القى كلمة بصوته الفخيم ..لكنه اكتفى بدور ضيف الشرف ..
    في تسعينات القرن الماضي جمعتني مناسبة مع السيد علي شمو فصافحني بالاسم… ولم استغرب هذا لأنه كان لي شي من الظهور في الصحف والتلفزيون… ولكن الذي ادهشني هو أنه وفي معرض ذكره لزيارة اللعوتة المشار إليها أعلاه… ذكر لي بعض ما جاء في كلمتي التي القيتها ذاكرا بالنص بعض المفردات التي اعجبته فيها .. واشهد الله أنني قد نسيتها تماما… إذ مرت عليها قرابة العشر سنوات تخللتها أحداث جسام مرت بالبلاد والأستاذ … وقال لي انه طلب عبد الرحيم محمود بأن يخص الشباب بتبرع خاص …أكد لي هذا الأمر ان الاستاذ شمو قد حباه الله بقدرات عقلية غير عادية ..وان التفرد والتميز لا ياتي ساهلة..وعلمت منه ان مجيئه لتلك المناسبة كان صدفة إذ انه كان قادما الي الخرطوم فغشي مدني لغرض مع الحاكم وهو الاخر كان ذاهبا الي الخرطوم بعد المناسبة اقترح عليه الرفقة ووافق دون تردد حبا في الناس وفي المناسبة ..أما مؤدته وتواضعه وهو بتجاذب معي أطراف الحديث .. كانه صديق قديم .. فهي في أصله… يلمس هذا كل من التقى به… فهو موطئا الاكناف… شديد الاحترام والحفاوة بكل من يتعرف عليه … ويجالسه لذلك يكون من الطبيعي أن يحبه ويحترمه كل من احتك به
    (٢)
    الرمية أعلاه مناسبتها واضحة طبعا … وهي ان الاستاذ شمو قد أصبح (تريندا) هذة الايام… إذ سيطر خبر عودته للبلاد من الهجرة القسرية التي كان فيها على التايملاين السوداني .. رغم ان أخبارا هامة جدا (تتطاقش) في الفضاء الاعلامي السوداني… وهذا يدل على المكانة السامية التي حازها استاذنا في قلوب اهل السودان . الاحتفاء بعودته امر مستحق.. ولكن القضية الأساسية هي خروجه المهمين من بيته ومن مدينته ومن بلاده وهو من هو …
    العدوان الغاشم وغير المسبوق الذي وقع على السودان ..و الذي لم يوفر كبيرا ولا صغيرا …ولم يوفر عالما أو مواطنا عاديا .ولم يستثنى رجلا أو امرأة ..قد تجسد ضحاياه في شخصية علي شمو ..لم يقدر عمره ويجهل صيته ..وسيرته البازخة فهو المدير المؤسس لتلفزيون السودان وهو في الثلاثين من عمره…وهو من رعيل الإذاعة الأول … …وقد تسنم منصب وزير الإعلام عدة مرات ومع أنظمة سياسية مختلفة ..لانه تكنوقراط وطني مخلص …نعم سياسي وعالم في السياسة بحكم تأهيله الأكاديمي وبحكم المهنة… ولكنه غير منتمي لحزب معين إنما انتماؤه لمجمل الوطن ومجمل ثقافة الوطن …لقد جاء للوزارة من منصب الوكيل الذي وصله بعد تدرج حكمته قوانين الخدمة العامة ..وهي قوانين موضوعية ليست مفصلة على احد ..لم ياتي للوزارة من دهاليز السياسة و(وجخانينها) الجانبية لذلك ظل عطاؤه مستمرا كوزير أو بعيد عن الوزارة ويكفي هنا أن نشير لنشاطه العام الجم والكتب المرجعية التي الفها في الإعلام ..وكثرة تلاميذه في المهنة وفي قاعات المحاضرات .. …انه رجل لا يعرف الغياب ..نعم منصب الوزير منصب سياسي ولكنه فرض على استاذنا وقام به كواجب قومي .. …الذي عصم استاذنا من الذلل هو تحديده لهدفه السامي وهو خدمة شعبه وبلاده .. رجل بكل هذا التاريخ لا يعرفه من أراد السيطره على السودان في ١٥ أبريل ٢٠٢٣ فهذا يدل على عظم النكبة التي نكب بها السودان …أما انهم اهانوه وعبثوا بمنزله عامة وبصورة اخص بمكتبته القومية النادرة ..وشردوه وجعلوه يتنقل داخل البلاد وخارجها فهذا يوضح فداحة الابتلاء الذي ابتلى به السودان …
    (٣)
    نقطة جانبية اهتممتت بها اهتماما خاصا وهي تقع في سوسيولوجيا الحرب الحالية … وهي ان خبر هجرة وعودة البروفسير علي شمو جاء مقرونا بانه امضى معظم ايام هجرته القسرية في مدينة حائل بشمال المملكة العربية السعودية مع ابنته الدكتورة سهير ..وقدكنت سالت عن عدد من اساتذتنا و زملائنا الذين هجروا من البلاد قسرا … فعلمت ان معظمهم ان لم أقل كلهم قد امضوا ايام البعاد مع بناتهم .. في حين انهم ان لم أقل كلهم لديهم ابناء ذكور برره ولم يقصروا في الإنفاق عليهم…فسالت ..وتساءلت …وفتشت في نفسي لأنني من هذة الفئة …لماذا مع البنات دون الاولاد ؟ فكان الإجماع (الواحد بلقى راحته مع بنته ) اما ما هي حيثيات هذة الراحة… فهذة التي احاول الوصول إليها …الي حين ذلك اقول للذين من بعدنا … عليكم ببناتكم …عليكم بناتكم… ولا تقصروا في حقهن … فالظروف ما معروفة …فهن العواصم من القواصم … وهذة مناسبة نذكر بالخير كل من اسهم في الوضعية المتقدمة للمرأة السودانية ..الشيخ بابكر بدري مدرسة رفاعة للبنات ١٩٠٣ ثم الأحفاد بام درمان والأستاذة فاطمة أحمد إبراهيم (عاش كفاح المرأة العاملة) والدكتور حسن الترابي وكتابه القيم (المرأة بين الأصول والتقاليد ..) والشاعر خليل فرح صاحب عزة (انتي يا الكبرتوك البنات فاتوك في القطار الفات) والشاعر سعد الدين ابراهيم صاحب العزيرة (عزة العاملة ومشيها/والله احضانك بلد يا حلوة ما تنسينا فيها) وعلي شمو ابو كل الاعلاميات السودانيات