من صراع السلطة إلى مشروع بناء الدولة (9)

  • بتاريخ : 19 مايو، 2026 - 8:17 م
  • الزيارات : 15
  • بقلم / دحيدرمعتصم مدني
    “مدير مركز الخرطوم للحوار”

    أحد أكبر الأخطاء التي حكمت التجربة السودانية منذالاستقلال أن السياسة ظلت تدور في دائرة:
    من يحكم السودان؟
    بينما السؤال الذي كان يجب أن يسبق ذلك هو:
    كيف يُبني السودان أصلًا؟
    ولهذا تحولت الحياة السياسية في كثير من مراحلها إلى صراع دائم على السلطة داخل دولة لم يكتمل تأسيسها بعد.
    فأصبحت الحكومات تتغير… لكن الأزمة تبقى.
    وتتبدل الشعارات… لكن الاختلالات العميقة تستمر.
    لأن جوهر المشكلة لم يكن فقط:
    في الحاكم، بل:
    في غياب مشروع وطني متفق عليه لبناء الدولة نفسها.

    *الفرق بين “السلطة”* *و”الدولة”*
    وهذه نقطة مركزية في فهم الأزمة السودانية.فالسلطة:

    مؤقتة،

    ومتغيرة،

    وتنافسية،

    وترتبط بالأشخاص والتحالفات.
    أما الدولة:

    فهي الإطار الدائم،

    والمؤسسات،

    والقواعد المنظمة،

    والمرجعية المشتركة التي تستمر مهما تغيرت الحكومات.
    لكن في السودان كثيرًا ما جرى الخلط بين الاثنين، حتى أصبحت معارك السلطة تُعامل وكأنها معارك على وجود الدولة نفسها.
    وهنا دخلت البلاد في حالة استنزاف دائم.
    *لماذا فشل السودان في* *التحول إلى دولة مستقرة؟*
    لأن النخب السياسية ـ على اختلاف اتجاهاتها ـ انشغلت غالبًا بـ:
    من يسيطر؟ أكثر من:

    كيف تُبنى المؤسسات؟

    وكيف تُدار التعددية؟

    وكيف تُحمى المصلحة الوطنية؟

    وكيف يُنتج المجتمع توازنه الداخلي؟
    ولهذا ظلت الدولة السودانية:

    هشة أمام الصراعات،

    وقابلة للاختطاف،

    وسريعة الاهتزاز مع كل أزمة سياسية.

    *الدولة ليست مجرد* *حكومة*
    الدولة الحقيقية لا تختزل في:
    القصر الجمهوري،
    أو مجلس الوزراء،
    أو الأغلبية السياسية.
    بل تُقاس بقدرتها على:
    حماية المجتمع،
    وضمان العدالة،
    واستمرار المؤسسات،
    وتنظيم الخلاف،
    ومنع الانهيار عند تغير السلطة.
    ولهذا فإن الدول الناضجة قد تتغير فيها الحكومات عشرات المرات… بينما تبقى الدولة مستقرة.
    أما حين تكون الدولة نفسها مرتبطة بمن يحكم، فإن كل انتقال سلطة يتحول إلى معركة وجودية.
    السودان عاش طويلًا داخل عقلية “الغلبة”
    أي أن كل طرف كان يسعى إلى:
    السيطرة الكاملة،
    أو التمكين الكامل،
    أو إعادة تشكيل الدولة وفق رؤيته الخاصة.
    وهنا لم تعد السياسة: تنافسًا داخل دولة، بل محاولة متكررة لإعادة تعريف الدولة وفق ميزان القوة.
    ولهذا ظلت:
    الانقلابات ممكنة،
    والحروب قابلة للتجدد،
    والتسويات قصيرة العمر،
    والاستقطابات شديدة الحدة.
    لأن الجميع يتعامل مع الدولة باعتبارها: “غنيمة من ينتصر”، لا: “إطارًا يحمي الجميع”.
    مشروع بناء الدولة يبدأ من سؤال مختلف
    ليس:
    “كيف نصل إلى السلطة؟”
    بل:
    “كيف نجعل الدولة أكبر من الصراع على السلطة؟”
    وهذا التحول الفكري هو نقطة البداية الحقيقية لأي نهضة وطنية.
    لأن بناء الدولة يحتاج إلى:

    رؤية طويلة المدى،

    ومؤسسات مستقلة،

    ومجتمع قوي،

    وعقد اجتماعي واضح،

    وثقافة سياسية جديدة.

    لا مجرد تحالفات مرحلية أو انتصارات تكتيكية.

    *ما الذي يحتاجه السودان* *فعليًا؟*
    يحتاج إلى الانتقال من:
    عقلية الثورة الدائمة، إلى:
    عقلية البناء الدائم.

    ومن:
    منطق الإقصاء، إلى:
    منطق التوازن الوطني.

    ومن:
    الصراع على الدولة، إلى:
    الشراكة في حمايتها.

    ومن:
    الشرعية التعبوية، إلى:
    الشرعية المؤسسية.

    *بناء الدولة يبدأ من إعادة* *ترتيب الأولويات*

    حين تدرك النخب والمجتمع أن:

    التعليم،

    والاقتصاد،

    والعدالة،

    والتماسك الوطني،

    وبناء الإنسان، أهم من الانتصار الحزبي اللحظي.
    فإن السياسة نفسها تبدأ في التحول من: “معركة استحواذ” إلى: “أداة إدارة للمصلحة العامة”.
    وهذا ما لم يحدث بصورة مستقرة في السودان حتى الآن.
    السودان لا يحتاج فقط إلى تسوية…
    بل إلى تحول ذهني كامل
    تحول يجعل الناس تدرك أن:

    الدولة ليست حزبًا،

    ولا أيديولوجيا،

    ولا جماعة،

    ولا سلطة مؤقتة.
    بل هي: المساحة المشتركة التي تحفظ بقاء الجميع.
    وحين تغيب هذه الفكرة، يتحول الوطن إلى ساحة تنازع دائم.

    *المعركة الحقيقية:*
    *بناء الدولة قبل الفوز* *بالسلطة*
    وربما هذه هي العقدة الكبرى في التجربة السودانية كلها.
    فكثير من القوى أرادت الوصول إلى الحكم قبل الاتفاق على:

    شكل الدولة،

    وحدود السلطة،

    وطبيعة العلاقة بين المجتمع والسياسة،

    والمرجعية الوطنية الجامعة.
    ولهذا ظلت السلطة تُستهلك في إدارة الأزمات، بدل أن تُستخدم في بناء الدولة.
    *نحو سودان جديد*
    السودان لن يخرج من دائرته المغلقة بمجرد:

    تغيير الحكومات،

    أو توقيع الاتفاقات،

    أو إعادة توزيع المناصب.
    بل حين ينتقل وعيه الوطني من: “من ينتصر؟” إلى: “كيف يبقى الوطن نفسه؟”
    وهنا فقط تبدأ السياسة في العودة إلى حجمها الطبيعي، ويبدأ المجتمع في استعادة دوره، وتبدأ الدولة في التشكل بوصفها: مشروعًا وطنيًا جامعًا، لا ساحة حرب مفتوحة.