تعليق تحليلي على مقترح تسييل الذهب السيادي
عمر سيد احمد-باحث في الاقتصاد السياسي السوداني /خبير مصرفي ومالية وتمويل مستقل
Email: o.sidahmed09@gmail.com مايو 2026.
نشر الأستاذ صبري محمد علي بتاريخ 19 مايو 2026م على منصة 5WS News مقالاً يُشير فيه إلى مقترحات قدّمها مغترب سوداني يعمل في مجال الاستشارات المالية الدولية لوزارتي المالية والمعادن، تتمحور حول استثمار الذهب السوداني السيادي وتسييله دون التفريط في أصله، وذلك كحل للأزمة الاقتصادية الخانقة التي يمر بها السودان في ظل الحرب. والمقال في مجمله يطرح فكرةً تستحق التأمل وتمسّ جوهر الأزمة الاقتصادية السودانية في لحظة بالغة الحساسية. غير أن الفكرة — على وجاهتها — تحتاج إلى قراءة أكثر دقةً واتساقاً مع أدوات التمويل الدولي المعروفة، وإلى مواجهة صريحة مع الواقع السياسي الذي يجعل تطبيقها أمراً عسيراً في المدى المنظور.
أولاً: الفكرة ليست جديدة، لكنها تستحق الاهتمام
ما يصفه المقترح يندرج ضمن منظومة أدوات مالية معروفة في الأسواق العالمية، من بينها: تسييل الذهبGold Monetization ، وإصدار أوراق مالية بضمان الذهبGold Backed Notes ، وعمليات إعادة الشراءRepo Repurchase Agreements فضلاً عن آليات التمويل المُهيكل Structured Finance . وهذه الأدوات موجودة وتُمارَس فعلياً في عدد من الاقتصادات الناشئة. وللاطلاع على المصطلحات الدولية المقابلة لهذه الأدوات يُرجى مراجعة مسرد المصطلحات في نهاية المقال.
لكن تبسيط المقترح على النحو الذي صِيغ به — أي تبيع ثم تسترد مجاناً — ينطوي على قدر من المبالغة، إذ لا يوجد في الاقتصاد تمويل بلا تكلفة.
ثانياً: ما يحدث فعلياً هو رهن وليس بيعاً سحرياً
الآلية التي يصفها المقترح هي في جوهرها رهن الذهب أو استخدامه ضماناً للحصول على سيولة. ويعني ذلك عملياً أن السودان يحصل على سيولة نقدية مقابل التزام مستقبلي بالسداد أو التجديد، وأن البنك الممول يتقاضى رسوم حفظ وتكلفة تمويل وهامش خصم على قيمة الضمان Haircut ، وأن إخفاق السودان في الوفاء بالتزاماته قد يُفضي إلى فقدان الذهب كلياً أو جزئياً.
فالذهب لا يعود مجاناً؛ بل يعود بعد أن تسدد الدولة التزاماتها التعاقدية كاملةً.
ثالثاً: عقبة الثقة هي العقبة الأولى
يصطدم هذا المقترح — كسواه من أي تمويل سيادي — بسؤال جوهري: هل يثق المستثمر الدولي في النظام المالي السوداني الراهن؟
إن أي بنك أو مؤسسة مالية دولية ستشترط بالضرورة تدقيقاً مستقلاً على الذهب ومصدره وسلامة سلسلة توريده، وحارس أصول دولي Custodian موثوق وذو سمعة راسخة، وضمانات قانونية قابلة للتنفيذ خارج الحدود السودانية، والتحقق من أن الذهب بعيد عن شبكات التهريب واقتصاد الحرب.
وهنا تكمن الإشكالية الحقيقية: فجزء كبير من الذهب السوداني اليوم مرتبط بالاقتصاد الموازي وتعدد مراكز السيطرة، مما يجعل إثبات الملكية السيادية والمصدر المشروع شرطاً عسيراً قبل الشروع في أي عملية تسييل.
رابعاً: ملاحظة صبري عن خصم الـ11% صحيحة في جوهرها
يُصيب الكاتب حين يُشير إلى أن السودان يخسر نسبةً معتبرة من قيمة ذهبه جراء التهريب وتعدد الوسطاء وضعف البنية التكريرية والعقوبات الدولية. وهذه خسارة حقيقية تستوجب معالجة جادة. بيد أن العلاج لا يكمن في التسييل وحده، بل في إصلاح منظومة سوق الذهب من منجم إلى تصدير، وبناء مصفاة معترف بها وفق المعايير الدولية، وربط الإنتاج بالقنوات المصرفية الرسمية لوقف التهريب، وتحسين السياسة النقدية والاحتياطي بصورة مستدامة.
خامساً: السؤال الحقيقي — هل يمكن توقع استجابة وتطبيق أصلاً؟
هنا نبلغ جوهر الإشكالية التي يتجاوزها المقترح دون أن يواجهها: هل يمكن في ظل اقتصاد حرب وتسلط المؤسسات النظامية التي تدير أكثر من 80% من الاقتصاد الموازي أن نتوقع من وزارتي المالية والمعادن استجابةً حقيقية؟
الإجابة المباشرة: لا. والتوقع غير واقعي في الظرف الراهن.
من يدير الاقتصاد فعلياً؟
حين تسيطر المؤسسات النظامية — عسكرية كانت أم أمنية — على ما يزيد عن 80% من الاقتصاد الموازي، فإن هذه المؤسسات لا تعاني من الأزمة الاقتصادية، بل هي تستفيد منها وتتغذى عليها. فالفوضى في سوق الذهب ليست قصوراً إدارياً يمكن إصلاحه، بل هي نظام مقصود يُدرّ أرباحاً لمن يديره بعيداً عن أي رقابة أو شفافية.
معادلة المصالح المتعارضة
أي مقترح لتسييل الذهب عبر قنوات رسمية شفافة يعني حكماً تسجيل الإنتاج ورصده رسمياً، وإدخال الصادر في المنظومة المصرفية، وإخضاع العائدات لرقابة مستقلة، وتقليص هامش التهريب والوساطة غير الرسمية. وهذا بالضبط ما لا تريده الجهات المستفيدة من الوضع الراهن. فصمت الوزارتين في هذا السياق ليس إهمالاً، بل ربما كان موقفاً سياسياً محسوباً تمليه موازين القوى لا قصور الفهم.
اقتصاد الحرب يُعيد إنتاج نفسه
المفارقة المأساوية أن الحرب في السودان لا تُدمّر الاقتصاد الموازي، بل تُعززه وتُوسّعه. فالمناجم تخضع لسيطرة أطراف مسلحة، وعائدات الذهب تُموّل الحرب مباشرة، والمؤسسات الرسمية تفقد سلطتها على الأصول السيادية تدريجياً. في هذه البيئة، أي وزير يُقدم على تطبيق مثل هذا المقترح لا يواجه عقبات إدارية فحسب، بل يواجه ضغوطاً وجودية من منظومة مصالح راسخة لا تقبل المساس بامتيازاتها.
سادساً: ما الممكن واقعياً إذن؟
التطبيق لن يحدث إلا في ظل أحد سيناريوهين:
الأول: انتهاء الحرب وإعادة بناء مؤسسات الدولة بضمانات دولية حقيقية، بما يُزيل الغطاء السياسي عن الاقتصاد الموازي ويُعيد الأصول السيادية إلى سلطة الدولة الشرعية.
الثاني: ضغط دولي مشروط، كأن يُربط أي دعم أو تطبيع مالي بإصلاح منظومة الذهب تحديداً وبشكل قابل للتحقق، وهو نهج لجأ إليه صندوق النقد الدولي مع دول أخرى، وإن ظل تطبيقه في السودان رهيناً بإرادة سياسية دولية غائبة حتى الآن.
خلاصة القول
نعم، يمكن نظرياً استخدام الذهب السيادي أداةً لتوليد سيولة دولارية دون التفريط فيه نهائياً، وهذه ممارسة دولية معروفة ومجربة. لكن نجاحها في السودان مشروط بما هو أعمق من الآلية المالية: ثقة دولية، وحوكمة رشيدة، واستقلالية مؤسسية، واقتصاد يسير عبر قنوات شرعية معترف بها.
المقترح الذي يصفه الكاتب صبري معقول فنياً في بيئة مؤسسية سليمة. لكن في السودان الراهن، المشكلة ليست أن الوزارتين لا تعرفان الحل، بل إن بنية الاقتصاد السياسي القائمة لا تُحفّزهما على تطبيقه، وربما تمنعهما من ذلك أصلاً.
وهنا يكمن الفارق الجوهري بين أزمة كفاءة يمكن علاجها بالمعرفة والأدوات، وأزمة نظام تحتاج إلى تحول سياسي جذري قبل أي إصلاح اقتصادي. فالمشكلة السودانية ليست تقنية في جوهرها، وإن كانت الحلول التقنية جزءاً لا غنى عنه من الإجابة متى توافرت الإرادة.
مسرد المصطلحات المالية الدولية الواردة في المقال
|
المصطلح الإنجليزي |
المصطلح العربي |
|
Gold Monetization |
تسييل الذهب |
|
Gold-Backed Notes |
أوراق مالية بضمان الذهب |
|
Repo (Repurchase Agreement) |
عمليات إعادة الشراء |
|
Structured Finance |
التمويل المُهيكل |
|
Haircut |
هامش الخصم على الضمان |
|
Custodian |
حارس الأصول |
|
SKR – Swiss Key Receipt |
إيصال المفتاح السويسري |
|
Gold-Backed Financing |
التمويل بضمان الذهب |
|
Securitization |
التوريق المالي |
|
Structured Trade Finance |
تمويل التجارة المُهيكل |
تعليق تحليلي على مقال الأستاذ صبري محمد علي — منصة 5WS News — 18 مايو 2026م











إرسال تعليق