جلال الدين المنصور… سيرة ديواني في ذاكرة الدندر ووجدان الناس*

  • بتاريخ : 13 مايو، 2026 - 2:03 م
  • الزيارات : 8
  •  

    بقلم: المستشار الطيب مضوي شيقوق

    في سجلّ المحليات السودانية، حيث تتقاطع الأرقام مع تفاصيل الحياة اليومية، وتتحول دفاتر الحسابات إلى مرآة تعكس شكل الخدمة العامة في أبسط تجلياتها، يبرز اسم جلال الدين المنصور بوصفه أحد أبناء مرحلة كان فيها العمل الإداري رسالة اجتماعية قبل أن يكون وظيفة روتينية.

    *خورطقت… مدرسة في مصاف النخبة*

    تخرج جلال الدين المنصور من مدرسة خورطقت الثانوية، إحدى المدارس التي كانت تُعد في زمانها ضمن أميز ثلاث مدارس ثانوية في السودان، إلى جانب *حنتوب الثانوية ووادي سيدنا الثانوية.*

    لم تكن هذه المدارس مؤسسات للتعليم الأكاديمي فحسب، بل كانت مصانع للقيادات، وبناء الشخصية، وترسيخ قيم الانضباط والجدية وروح الخدمة العامة.
    وفي هذا المناخ التربوي الرفيع تشكّل وعي جلال الدين المبكر، فحمل قيم المدرسة إلى ميادين العمل العام لاحقاً.

    *إلى محلية الدندر… حيث تبدأ التفاصيل الحقيقية*

    انتقل إلى العمل العام ليشغل وظيفة محاسب بمحلية الدندر، في بيئة إدارية تتسم بتعقيد الواقع المحلي، وتعدد الاحتياجات، وندرة الموارد.
    وهي معادلة تجعل من العمل المالي مهمة دقيقة وحساسة في آنٍ واحد.
    فالمحاسب هنا لا يكتفي بتسجيل الأرقام، بل يشارك في إدارة التوازن بين الموارد المحدودة ومتطلبات الخدمات العامة، في إطار من الانضباط والمسؤولية والمساءلة.

    *خبرة مهنية متعددة الجوانب*

    لم تقتصر تجربته على الجانب المحاسبي وحده. تنقّل خلال عمله بين مختلف أقسام الموارد البشرية بمحلية الدندر، فاكتسب معرفة واسعة بتفاصيل العمل الإداري وشؤون العاملين.
    اطلع على الملفات الإدارية، وشؤون الخدمة، وتنظيم العمل، وتطوير الأداء المؤسسي.

    شارك أيضاً في عدد من السمنارات وورش العمل المتعلقة بتطوير الموارد البشرية، مما عكس حرصه على تطوير ذاته ومواكبة الأساليب الحديثة في الإدارة وتنمية الكوادر.
    فاجتمعت لديه الخبرة العملية بالفهم الإنساني لطبيعة العمل العام ومتطلبات العاملين.

    *بيئة إدارية صنعت التجربة*

    ارتبطت تلك المرحلة بعدد من المدراء التنفيذيين الذين تعاقبوا على قيادة محلية الدندر وأسهموا في تشكيل ملامحها المؤسية، منهم:
    *إبراهيم يوسف ابوعاقلة ،،محمد الحسن عوض الكريم* ،،*نور الدايم وداعة الله ،،مكي محمد المكي*
    *عوض يوسف البرنس زوج الرسالة الحبيب (من كركوج )الريح الأمين، كودي الدومة، محمد علي كير، عمر كرار، السماني المكي*، *آدم عابدين إسماعيل، إبراهيم حاج محمد، شرف الدين إسماعيل*

    وفي هذا المناخ الإداري المتعدد المدارس، تدرجت تجربة جلال الدين المهنية عبر الاحتكاك اليومي، فتراكمت لديه خبرة راسخة في العمل المالي والإداري بالمحليات.

    المحاسب في قلب الحياة العامة

    لم تكن وظيفة المحاسب في الدندر وظيفة مكتبية معزولة، بل جزءاً من الدورة اليومية لحياة الناس.
    ترتبط الأرقام بالخدمات، والموازنات باحتياجات المجتمع.
    ومن خلال هذا الموقع اكتسب جلال الدين خبرة قوامها:
    الدقة في إدارة الموارد المحدودة
    الالتزام بالإجراءات المالية
    التعامل مع الجهات الرقابية
    فهم الواقع الخدمي للمجتمع المحلي

    *الإنسان في قلب الوظيفة*

    إلى جانب دوره المهني، كان لجلال الدين حضور اجتماعي واضح في مدينة الدندر وريفها.
    شارك أهله في أفراحهم وأتراحهم، لا يتأخر عن واجب اجتماعي، ولا ينفصل عن محيطه الإنساني.
    في الأفراح شاركهم البهجة، وفي الأتراح وقف معهم موقف المواساة والعزاء، بما يعكس تداخل الوظيفة بالحياة الاجتماعية في بيئة متماسكة.

    *صلته برموز الإدارة الأهلية*

    تجاوز حضوره حدود الوظيفة الإدارية، فكان على صلة وثيقة برموز الإدارة الأهلية في المنطقة، وفي مقدمتهم *الناظر يوسف العجب والناظر محمد المنصور العجب*
    كان من الذين تُوجّه إليهم الدعوة مبكراً ليكونوا ضمن مستقبلي ضيوف بيوت النظارة، وهو موقع يعكس الثقة والقبول والاحترام داخل المجتمع المحلي.

    وقد عمّقت هذه الصلات تجربته الإنسانية والاجتماعية، ومنحته قدرة أكبر على فهم المجتمع المحلي بطبقاته وتقاليده وأعرافه.

    *امتداد السيرة في الأبناء*

    لم تتوقف آثار السيرة عند حياته المهنية والاجتماعية، بل امتدت في تربية وتعليم أبنائه وبناته.
    نشأوا في بيت تشرب قيم الانضباط، واحترام العلم، والالتزام الأخلاقي.
    فتخرج أغلبهم من جامعة الخرطوم، وتوزعوا في ميادين مهنية متعددة:
    الأطباء، المهندسون، أساتذة الجامعات، والتربويون.

    وهكذا امتد أثره من ساحة العمل العام إلى فضاء الأسرة، ليصبح الاستثمار في الإنسان هو الامتداد الأصدق لسيرته.

    خاتمة
    يبقى *جلال الدين المنصور* في الذاكرة المحلية واحداً من رجال الإدارة الذين عملوا في صمت، وأدوا واجبهم دون ضجيج، وتركوا أثرهم في استمرارية العمل المالي والإداري بمحلية الدندر، وفي وجدان مجتمعهم في المدينة والريف على حد سواء.

    مثّل نموذجاً لجيل “الدواوين” السودانية القديمة؛ الجيل الذي جمع بين الانضباط الإداري، والالتزام الأخلاقي، والقرب من الناس، فصار حضوره في الذاكرة أكبر من حدود الوظيفة نفسها.

    رحمه الله رحمة واسعة، وجعل ما قدمه في ميزان حسناته، وألهم أهله ومحبيه الصبر وحسن الذكر.
    وبقيت سيرته جزءاً من ذاكرة جيلٍ كتب تاريخ الإدارة المحلية من داخل تفاصيلها اليومية، لا من فوق منصاتها.