بقلم/ د.حيدر معتصم مدني
مدير مركز الخرطوم للحوار
ليست الحروب دائمًا بالسلاح فبعض أخطر الحروب تُخاض بالكلمات، لأن الكلمة لا تصنع فقط خطابًا… بل تصنع تصورًا، والتصور يصنع موقفًا، والموقف يصنع سلوكًا سياسيًا واجتماعيًا كاملًا.
ومن هنا تصبح المصطلحات في المجتمعات المضطربة جزءًا من معركة السلطة نفسهاوهذا ما عاشه السودان لعقود طويلة.
*حين تتحول اللغة إلى أداة* *صراع*
في الأصل، تُستخدم المصطلحات لتقريب الفهم وتنظيم النقاش العام، لكن في البيئات المأزومة تتحول الكلمات تدريجيًا إلى:
أدوات تعبئة
وعلامات اصطفاف
وأساليب إقصاء
ووسائل لصناعة الشرعية أو نزعها
فلا يعود الهدف من المصطلح: شرح الواقع، بل توجيه الوعي تجاه قراءة معينة للواقع، وهنا تدخل المجتمعات في أخطر مراحل الإضطراب.. مرحلة اختلال المعنى.
*أخطر ما يحدث للأمم:*
*أن تختلف حتى على تعريف* *الأشياء*
حين لا يوجد اتفاق عام على معنى:
الدولة
المدنية
الديمقراطية
الوطنية
الحرية
الشرعية
الثورة
الشعب
فإن الصراع لا يعود صراع برامج… بل يتحول إلى صراع تعريفات، وفي هذه الحالة يصبح الحوار نفسه صعبًا، لأن كل طرف يستخدم الكلمات ذاتها بمعانٍ مختلفة تماما، وهذا أحد أعماق الأزمة السودانية.
*كيف تُختطف* *المصطلحات؟*
يحدث ذلك غالبًا عبر ثلاث مراحل:
*أولًا: الشحن العاطفي* *للمصطلح*
بحيث يتحول من مفهوم تحليلي إلى رمز نفسي.
مثل:
ربط كلمة “مدني” بالخير المطلق
أو ربط “العسكري” بالشر المطلق
أو تحويل “الثورية” إلى معيار أخلاقي
أو تصوير “الحياد” باعتباره خيانة
وهنا يتوقف الناس عن التفكير في المعنى الحقيقي، ويبدأون في التفاعل العاطفي مع الكلمة.
*ثانيًا: الاحتكار الرمزي*
أي أن تحاول جماعة سياسية احتكار مصطلح عام لنفسها.
فتصبح:
الوطنية حكرًا على تيار،
والثورة حكرًا على جماعة،
والمدنية حكرًا على تحالف،
والديمقراطية حكرًا على أيديولوجيا معينة.
وبذلك يتحول الخلاف السياسي الطبيعي إلى معركة وجود أخلاقي ورمزي.
*ثالثًا: إعادة تشكيل الوعي* *الجمعي*
ومع التكرار الإعلامي والسياسي، تترسخ المفاهيم الجديدة داخل وعي الناس، حتى تصبح كأنها حقائق بديهية لا تحتاج إلى مراجعة.
وهنا تنجح عملية السيطرة على الإدراك العام.
لماذا تعتبر معركة المفاهيم خطيرة؟
لأن المجتمع يمكن أن يقاوم القمع المباشر… لكن يصعب عليه مقاومة التلاعب الهادئ بالوعي.
فالإنسان حين يُخدع بالسلاح قد يكتشف الخديعة سريعًا، لكن حين يُخدع بالمفاهيم قد يدافع بنفسه عن الأفكار التي أضرت به.
ولهذا كانت السيطرة على اللغة دائمًا جزءًا أساسيًا من أي مشروع هيمنة سياسي أو أيديولوجي.
*السودان وأزمة اللغة* *السياسية*
السودان عاش طويلًا داخل بيئة خطابية مضطربة:
الشعارات أكبر من المفاهيم،
والهتاف أعلى من التفكير،
والاستقطاب أقوى من التحليل.
ولهذا تحولت كلمات كثيرة إلى: “لافتات تعبئة” أكثر من كونها أدوات فهم.
فظلت الجماهير تتداول:
الشعب
الحرية
الثورة
المدنية
الديمقراطية
الوطن
دون وجود مشروع حقيقي لإعادة تعريف هذه المفاهيم داخل وعي المجتمع.
وهنا نشأت الفجوة بين:
الشعار
والحقيقة
*أخطر نتائج الأزمة:*
تكوين وعي سياسي هش
حين تُبنى الثقافة السياسية على الشعارات لا المفاهيم، يتكون وعي سريع الانفعال، ضعيف المناعة، سهل الاستقطاب.
فتصبح الجماهير قادرة على:
الحشد السريع، لكنها أقل قدرة على:
بناء التصورات،
وفهم التعقيد،
وترتيب الأولويات الوطنية.
ولهذا كثيرًا ما تدخل المجتمعات المأزومة في دورات متكررة من:
الحماس،
ثم الصدمة،
ثم الانقسام،
ثم إعادة إنتاج الأزمة.
*الحاجة إلى تحرير اللغة* *السياسية*
السودان لا يحتاج فقط إلى إصلاح السياسة… بل إلى إصلاح اللغة التي يفكر بها الناس حول السياسة.أي إعادة تأسيس القاموس الوطني على أسس:
معرفية،
ومجتمعية،
ووطنية،
لا حزبية ولا أيديولوجية.
بحيث تعود الكلمات إلى معناها الطبيعي، لا إلى معناها التعبوي المؤقت.
وهذه ليست معركة لغوية شكلية، بل معركة وعي كاملة.
*بناء الدولة يبدأ من بناء* *المعنى*
الدول لا تقوم فقط على:
الجيوش،
والقوانين،
والدساتير،
والمؤسسات.
بل تقوم أيضًا على: “التصور المشترك” الذي يحمله المجتمع عن نفسه وعن دولته.
وحين يختل هذا التصور… تدخل الأمة كلها في اضطراب طويل.
ولهذا ربما تكون واحدة من أهم مهام المرحلة القادمة في السودان: إعادة بناء الوعي المفاهيمي الوطني.
لأن الأمة التي تُختطف لغتها… يُختطف وعيها.
والأمة التي يُختطف وعيها… يصعب عليها أن تبني دولة مستقرة مهما امتلكت من موارد أو شعارات أو نوايا حسنة.











إرسال تعليق