خلفيات تحالف الدعم السريع وقوى الحرية والتغيير

  • بتاريخ : 13 مايو، 2026 - 1:59 م
  • الزيارات : 6
  • بقلم المستشار القانوني الدكتور عبدالله أحمد عبدالله

    طرح أحد الأخوة في قروب مشترك أسئلة وصفها بأنها أسئلة حائرة جدا يبحث عن إجابات منطقية مقنعة عليها وهى :
    1 – ما هو سبب التحول المفاجئ لحميدتى من معسكر القوة الوطنية إلى معسكر قوى الحرية والتغيير الذى تبنى الاتفاق الإطارى برغم العداء الشديد والملاسنات الحادة وحالة الاحتقان الشديدة التي كانت سائدة بين الطرفين آنذاك ؟!!
    2 – هل حدث هذا التحول بقناعة صادقة من حميدتى ؟! ام نتيجة اختراق داخلي لحميدتى من نشطاء الحرية والتغيير؟! أم هو نتيجة اختراق خارجى بواسطة المخابرات العالمية لشق وإضعاف معسكر الوطنيين المناوئين للتدخلات الخارجية ؟!
    3 – ما سر العداوة المفاجئة والحادة لحميدتى للإسلاميين ( الكيزان ) وجميع مؤيدي حكومة الإنقاذ الذين وصفهم ( بالفلول ) ؟! علما بأنه كان جزءا منهم يوما ما وانهم لم يناصبوه العداء مثل ما فعل القحاتة واتباع قوى الحربة والتغيير قبل أن ينحاز لمعسكرهم ؟!!
    4 – هل هناك من أحد كان يتوقع أن ينسلخ حميدتى من معسكر قوى الإجماع الوطنى وينحاز لمعسكر القحاتة ؟!
    5 – لماذا تنكر حميدتى للحركة التصحيحية التي تمت فى/ ٢٥ أكتوبر/ ٢٠٢١م و أعترف بأنها انقلاباً على نحو إدعاءات القحاتة برغم أنه كان نائبا للبرهان حينها و أحد مهندسي تلك الأحداث التصحيحية ؟!!
    6 – هل كان حميدتى صادقا و شفافا عندما أعلن أنه يريد بسط الديمقراطية و القضاء على الكيزان و الفلول ؟!

    مقدمة:

    أود في البدء التحفظ على بعض المصطلحات التي وردت ضمن الأسئلة، ومنها عبارة قوى الإجماع الوطني، إذ لم يكن هناك ما يمكن أن يطلق عليه إجماع وطني، وكذلك ما سمي الحركة التصحيحية، والتي هي من وجهة نظري انقلاب كامل الدسم اشترك فيه ثم حميدتي ثم تنصل عنه تمهيداً لتحالفه مع قوى الحرية والتغيير (قحت).

    من وجهة نظري أكبر خطأ ارتكبته الإنقاذ وعجل بزوالها، إلى جانب الأسباب الأخرى من فساد وسوء إدارة وظلم وطغيان، هو تكوينها للدعم السريع وذلك للأسباب الآتية:

    – كوين مليشيا خارج عباءة الجيش ومن مكون قبلي واحد.
    – ⁠إعطائها ميزانية مفتوحة ومصادر تمويل لا تخضع لرقابة الدولة.
    – غض الطرف عن الفظائع والجرائم التي ارتكبتها في دافور.

    فكما يعلم الجميع كان الهدف من تكوين المليشيا هو محاربة حركات دار فور المسلحة، غير أن المليشيا لم تعمل كذراع للدولة لبسط هيبة الدولة، وإنما حاربت لتصفية حسابات القبائل التي تنتمي لها مع القبائل التي ينتمي لها المتمردون، لذلك لم تكتف بمحارية المتمردين بل شملت المواطنين الأبرياء، فحدث ما يشبه التطهير العرقي للمواطنين الأبرياء وعاثت في الأرضي فساداً وكان سكوت حكومة الإنقاذ عن تلك الفظائع قد ألب عليها العالم وصدرت عقوبات دولية على الحكومة وتم التضييق عليها اقتصادياً وأحيل رأس النظام مع آخرين إلى المحكمة الجنائية الدولية، مما أدى إلى تدهور الأوضاع أكثر فأكثر وساهم في قيام الثورة ضد النظام.

    ثم كانت الطامة الكبرى وهي حرب اليمن التي شاركت فيها الحكومة وأتاحت للدعم السريع إرسال مرتزقة الى اليمن والاستفادة ماديًا من ذلك، كما أتاحت لقائد الدعم السريع التواصل مع قيادات دول أجنبية، وعلى الأخص الدولة التي لا تزال ترعى الدعم السريع والتي يعرفها الداني والقاصي، وكذلك أتاحت الحكومة للدعم السريع التعاقد مع جهات أجنبية مثل الاتحاد الاوروبي لمنع الهجرة اليه والاستفادة من ذلك ماديًا.

    شعر قائد الدعم السريع بأنه أصبح أقوى من الجيش وأصبح يفتري ويسئ للجيش دون أن يجد من يردعه، ووجدت فيه الدولة الراعية ضالتها لتصفية حساباتها مع عدوها التقليدي الحركة الاسلامية، وعملت على تحقيق هذا الهدف حتى قبل سقوط الإنقاذ من خلال تزويد حميدتي بالسلاح مستغلة غفلة الحكومة وتهاونها.

    بعد الثورة قاد حميدتي المفاوضات مع حركات دار فور وأعطاهم عطاء من لا يملك لمن لا يستحق طمعاً في استمالتهم إلى جانبه، ورغم أنهم انحازوا إلى جانبه في تأييد انقلاب 25 أكتوبر 2021، إلا أنهم لم ينسوا ما فعله بهم وبأهلهم في دار فور وخافوا من غدره، لذلك عندما قامت الحرب انحازوا إلى جانب حكومة البرهان التي يبدو أنها ترتكب معهم نفس الأخطاء التي ارتكبتها الإنقاذ مع الدعم السريع، إذ أنهم يحملون نفس الأفكار التي يحملها الجنجويد تجاه سكان الشمال والوسط، وقد توسعوا في التجنيد والتسليح منذ بدء الحرب الحالية، ونخشى أن تتكرر تجربة الدعم السريع.

    الإجابة على الأسئلة:

    تحالف حميدتي مع الحركة الإسلامية، كان بغرض اتخاذهم ظهير سياسي، أي أنه كان زواج مصلحة الهدف منه التسلق على أكتافهم للوصول لهدفه، حيث لا رابط أيديولوجي بينهم وإنما مصالح آنية لذلك ليس غريباً أن يعاديهم عندما ظن أنه وجد من هو أصلح منهم لتحقيق هدفه، وكذا الحال بالنسبة لتحالفه مع ما سمي القوة الوطنية أو الكتلة الديمقراطية.

    من كان يتابع سرعة وتيرة التجنيد والتسليح للدعم السريع بعد انقلاب 25 أكتوبر 2021 لا بد يدرك أن حميدتي يعد لانقلاب وشيك على السلطة بإيعاز من الدولة الراعية، وهو بلا شك في حاجة لظهير سياسي لذلك تحالف مع فلول الحركة الإسلامية وما عرف بالكتلة الديمقراطية، غير أن هذا التحالف لم يعجب الدولة الراعية التي رأت فيه إعادة إنتاج للإنقاذ، لذلك أوعزت إلى حميدتي بالتحالف مع قحت التي فقدت السلطة وتسعى للعودة إليها.

    يقيني أن سعي حميدتي للانقلاب لم يكن غائباً عن الجيش لكن كما يقول المثل: العين بصيرة واليد قصيرة، غير أن الجيش لم يقف مكتوف الأيدي بل عمل على إفشال خطة حميدتي ونجح في ذلك لكن بثمن باهظ دفعه ولا يزال يدفعه السودان.
    من جانبها قحت لم تنجح في إدارة الفترة الانتقالية، حيث انشغلت بتصفية حساباتها مع غريمها السياسي الحركة الاسلامية بدل الانشغال ببسط العدل الذي هو أساس الحكم، والسعي لتوفير الخدمات التي أدى نقصها أو إنعدامها إلى الثورة على النظام، وعندما حدث انقلاب 25 أكتوبر 2021 لم تجد السند الشعبي الكافي لإجبار الانقلابيين على التراجع، فلجأت إلى العامل الخارجي للمساعدة في إرجاعها إلى سدة الحكم، وهنا بدأت لعبة الاستخبارات الكبرى لاستقطاب حميدتي وإغرائه بتحقيق حلمه للاستيلاء على السلطة من خلال الاصطفاف مع أحزاب الحرية والتغيير.
    لم يكن سهلاً على قحت وضع يدها في يد الدعم السريع لأن ذلك يناقض شعارات الثوار الذين كانوا ينادون بحل الدعم السريع لمساهمته في إجهاض الثورة في 2013 وسعيه لإجهاضها كذلك في عام 2018 وارتكابه جريمة فض الإعتصام، ولعل الجميع يتذكر الهتاف الشهير “العسكر للثكنات والجنجويد ينحل”، غير أن قحت كانت في حيرة من أمرها، إذ أنها فقدت الحكم ولا تدري كيف تعود إليه، لذلك لم تجد الدولة الراعية صعوبة في إقناع قحت بوضع يدها في يد الدعم السريع كظهير عسكري وإقناع الدعم السريع بالتحالف مع قحت لتكون له ظهير سياسي.
    بدأ تنفيذ الخطة من خلال طرح ما عرف بالاتفاق الإطاري وإدخال الدعم السريع كطرف مستقل وإعتراف حميدتي أن ما حدث في 25 أكتوبر 2021 كان انقلاب وأبدى ندمه على مشاركته فيه وأعلن دعمه للديمقراطية وباقي القصة معروف.
    خلاصة القول أن حميدتي لا يؤمن بالديمقراطية ولم يكن صادقاً في دعوته لها وتنكر لانقلاب أكتوبر 2021 لسببين أحدهما أن الانقلاب لم يحقق له هدفه في الانفراد بالسلطة وثانيهما أن ذلك لم يعجب الدولة الراعية، وكذلك عداوته لولية نعمته الحركة الإسلامية وانسحابه من التحالف معها ومع الكتلة الديمقراطية كان بإيعاز من تلك الدولة، كما أن تحالفه مع قحت كان بضغطٍ منها أيضاً، وكان سيبيع الجميع لو أنه نجح في الاستلاء على السلطة.