*الوفاء لا يبلى… في وداع جلال الدين المنصور*

  • بتاريخ : 13 مايو، 2026 - 1:07 م
  • الزيارات : 8
  •  

    بقلم/ المهندس الإمام عبد اللطيف الإمام

    بسم الله الرحمن الرحيم

    *﴿ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ۝ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ﴾*

    ما أقسى الفقد حين يختار الموت رجلاً يشبه في حضوره السكينة، وفي أخلاقه النبل، وفي أثره بين الناس معنى الطمأنينة والأمان.
    وما أشد وجع الرحيل حين يغيب أولئك الذين تألفهم الأرواح قبل العيون، وتأنس إليهم القلوب قبل المجالس

    لقد رحل *جلال الدين المنصور،* فرحل معه شيء من جمال الأيام، وصفاء المجالس، وزمن نادر كانت فيه المروءة خُلُقاً لا إدعاء، والوفاء موقفاً لا شعاراً.

    فقدته حويوا والدندر والوطن، وفقده أهله وأصدقاؤه ومحبوه. لكن الفقد الأعمق أننا فقدنا فيه مدرسة كاملة في الأخلاق والرجولة والسمت الكريم.

    *رجلٌ لا يحتاج ضجيجاً ليُعرف*

    كان ـ رحمه الله ـ من الرجال الذين لا يحتاجون إلى ألقاب ليكبروا في أعين الناس.
    تكفي سيرتهم لتدل عليهم، وتكفي مواقفهم لتشهد لهم.
    عاش بسيطاً في مظهره، عظيماً في جوهره، قريباً من الناس دون تكلف، رفيعاً دون تصنع.

    إذا جلس بين الناس جلس بوقار العارفين، وإذا تحدث أصغى إليه الجميع لما في حديثه من حكمة واتزان.
    لم يكن كثير الكلام، لكنه إذا قال أصاب، وإذا نصح أخلص، وإذا وعد أوفى. وكان محل ثقة حتى في صمته.

    *خلقٌ يجبر الخواطر*
    عرفته الحياة طيب المعشر، لين الجانب، واسع الصدر، يحمل قلباً لا يعرف القسوة ولا الضغينة.
    كان يجبر الخواطر بفطرته، لا بتكلّف. كلمة طيبة منه تكفي لتخفف عن المهموم، وابتسامته الصادقة تترك في النفوس أثراً لا يُنسى.

    وكان شديد الاحترام للناس، صغيرهم وكبيرهم، غنيهم وفقيرهم. لا يرفع نفسه على أحد، ولا يتعامل بتعالٍ، بل يرى أن قيمة الإنسان في خُلُقه وصدقه، لا في جاهه وماله.

    *كرمٌ بلا منٍّ ووفاءٌ لا يتغيّر*
    أما كرمه فكان كرم النفوس الكبيرة؛ هادئاً لا يعرف المنّ ولا الضجيج.
    يعطي لأن العطاء من طبيعته، ويقف مع المحتاج لأن الشهامة تسكنه.
    كم من صاحب حاجة وجد عنده باباً مفتوحاً، وكم من ملهوف وجد منه موقفاً نبيلاً لا يُنسى.
    وكان يرى أن أجمل ما يتركه الإنسان دعوة صادقة من قلب موجوع أعانه في يوم ضيق.
    وفي علاقاته كان وفياً وفاء الرجال الأوفياء. يحفظ العهد، ويرعى الود، ويصون الصحبة مهما باعدت الظروف.
    إذا أحب صدق، وإذا صاحب أخلص، وإذا وقف مع أحد وقف معه بقلبه كله.

    *عقلٌ وذاكرةٌ وثقافة*
    كان واسع الثقافة، حاضر الذهن، يمتلك ذاكرة نادرة.
    يتحدث العربية والإنجليزية بطلاقة وإقتدار، فينتقل بينهما بسلاسة العارف وتمكن الواثق.
    يحفظ تواريخ الأفراح والمواليد والوفيات، فلا يكاد ينسى مناسبةً تخص أهله وأصدقاءه، وكأن الوفاء عنده ذاكرة حية لا تغفل عن الناس.

    وكان متابعاً للأحداث العامة والدولية بوعيٍ راسخ، يستحضر الوقائع والتواريخ بدقة تثير الإعجاب، ويتناول القضايا بعقل متزن ورؤية عميقة، فكانت مجالسه عامرة بالفائدة والمعرفة.

    وللأدب والشعر مكانة خاصة في نفسه. يحفظ روائع الشعر العربي، ويستشهد بالأبيات في مواضعها، فإذا تحدث زيّن حديثه ببيت بليغ يلامس القلوب ويمنح الكلام جماله وعمقه.

    *رجل دولة ونزاهة*
    في العمل العام والخدمة المدنية كان مثالاً يُحتذى في النزاهة والانضباط وتحمل المسؤولية.
    رجل دولة بالمعنى الحقيقي؛ لا يساوم في الحق، ولا يبيع ضميره لإرضاء أحد.
    يؤمن أن الوظيفة تكليف لا تشريف، ومسؤولية أمام الله قبل أن تكون منصباً أو سلطة.

    فكسب احترام الناس بعدله وإستقامته وحسن تعامله. جمع بين قوة القرار وإنسانية القلب، وهي معادلة لا ينجح فيها إلا أصحاب النفوس الكبيرة.

    وكان مصلحاً بين الناس بطبعه. يسعى لإطفاء الخصومات، ويكره القطيعة، ويرى أن أعظم الرجال من جمع القلوب لا من فرّقها.
    كم أصلح بين متخاصمين، وكم أعاد الود بين متباعدين، وكم أطفأ نار فتنة قبل أن تكبر.

    *أبٌ مربٍ وغرسٌ طيب*

    لم يكن اهتمامه بأهله وأبنائه أقل من اهتمامه بالناس.
    كان أباً مربياً، يغرس القيم قبل الأوامر، ويزرع في نفوس أبنائه معنى الكرامة والشرف وحسن السيرة.
    ربّاهم على أن الإنسان يُعرف بأخلاقه لا بمظهره، وبأمانته لا بما يملك، وبمواقفه لا بكثرة كلامه.

    ومن نعم الله على الإنسان أن يترك خلفه أبناءً صالحين يحملون سيرته الطيبة.
    وأبناء جلال الدين ـ بإذن الله ـ إمتداد لذلك الغرس الطيب، يحملون من أخلاق أبيهم وسمته ما يجعل ذكراه حاضرة بين الناس.

    *أثرٌ لا يموت*

    رحل جلال الدين المنصور، لكن الرجال الاخيار لا يغيبون تماماً.
    يبقون في ذاكرة الأماكن، وفي دعوات الناس، وفي الحنين الذي يمر فجأة حين يُذكر إسمهم في مجلس.
    يبقون في المواقف التي صنعوها، وفي القلوب التي أحبوها، وفي الأثر الذي لا تمحوه الأيام.

    وهكذا هم أصحاب الأرواح النقية…
    يرحلون عن الدنيا، ويظلون أحياء في وجدان من عرفوهم وأحبوهم.

    اللهم إرحم عبدك جلال الدين المنصور رحمةً واسعة، وأجعل الجنة داره ومستقره. اللهم اغفر له بقدر ما زرع من خير، وبقدر ما جبر من خواطر، وبقدر ما حمل في قلبه من محبة للناس ورحمة بهم.
    اللهم أكرم نزله، ووسّع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد.
    اللهم أجعل قبره روضةً من رياض الجنة، وافتح له باباً إلى الفردوس الأعلى.
    اللهم اجعل دعوات المحبين أنساً له في وحشته، ونوراً له إلى يوم يبعثون.
    اللهم أخلفه في عقبه خيراً، وأجزه عنا وعن أهله وبلده خير ما جزيت به عبادك الصالحين.

    إنا لله وإنا إليه راجعون
    ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم

    المفجوع / الإمام عبداللطيف الإمام

    .