في زمن السرعة… هل ما زال العزاء كما هو أم يحتاج إلى إعادة تعريف؟

  • بتاريخ : 9 مايو، 2026 - 6:01 ص
  • الزيارات : 274
  • قراءة في تحوّل وسائل المواساة بين روح القيم وتطور الوسائل

    بقلم/ الطيب مضوي شيقوق

    “محام- كاتب- مستشار قانوني”

    من أنبل ما يميز المجتمعات الحية أنها لا تفقد إنسانيتها عند الشدائد، بل تُظهر معدنها الحقيقي في لحظات الفقد والحزن.

    وفي مجتمعنا السوداني ظلّ العزاء مساحةً مقدسة للتراحم، يلتقي فيها الناس على اختلاف مشاربهم، لتخفيف الألم عن أهل المصاب، ومشاركة الوجع الإنساني في أنبل صوره. غير ان هذا المشهد الذي ظلّ ثابتًا لعقود طويلة، أصبح اليوم يواجه واقعًا جديدًا، فرضته سرعة الحياة، وتغيّر الوسائل، وتداخل الظروف الاقتصادية والاجتماعية والأمنية.

    ومن هنا يبرز سؤال جوهري:

    هل ما زال العزاء كما هو، أم أن الزمن يفرض علينا إعادة النظر في وسائله دون المساس بروحه؟

    لقد أصبح السفر اليوم جزءًا مرهقًا من حياة الناس، خاصة عندما يتعلق الأمر بواجبات اجتماعية مثل العزاء.

    فالمسافات الطويلة، وازدحام الطرق، وارتفاع تكاليف المواصلات، ومخاطر الحوادث المرورية، كلها عوامل تجعل من الرحلة أحيانًا عبئًا أكبر من كونها واجبًا. وكم من أسرة خرجت لتقديم العزاء، فعادت وهي تحمل عزاءً جديدًا بسبب حادث حركة أفقدها أحد أفرادها.
    وكم من رحلة بدأت بنية المواساة وانتهت بمأساة لم تكن في الحسبان.
    وهنا يبرز التساؤل الإنساني العميق:

    هل جوهر العزاء هو الوصول بالأجساد، أم الوصول بالقلوب؟
    إن العزاء في حقيقته ليس طقسًا شكليًا، بل قيمة إنسانية قائمة على المواساة الصادقة.
    فالإنسان المفجوع لا يحتاج فقط إلى الحضور، بل يحتاج إلى الإحساس بأنه ليس وحده، وأن هناك من يشاركه الألم بصدق ووفاء. وهذا المعنى يمكن أن يتحقق بوسائل متعددة، ربما لم تكن متاحة في السابق، لكنها اليوم أصبحت جزءًا من حياتنا اليومية.

    لقد غيّرت وسائل التواصل الحديثة شكل العلاقات الإنسانية، وجعلت المسافات أقصر، والصوت والصورة والكلمة أقرب. فأصبح بالإمكان أن تصل مشاعر التعزية في لحظات، وأن تُنقل المواساة بصدق دون عناء السفر ومخاطره وتكاليفه.
    ورب مكالمة هاتفية صادقة تخفف من وجع الفقد،
    ورب رسالة مكتوبة من القلب تواسي أسرة بأكملها،
    ورب دعاء صامت يصل أثره إلى ما هو أعمق من الحضور الجسدي.

    لكن الاستفادة من هذه الوسائل لا تعني إلغاء الحضور الإنساني، ولا قطع صلة الرحم، ولا إضعاف التراحم الاجتماعي، وإنما تعني إعادة ترتيب الوسائل بما يحقق المقصد الأسمى للعزاء. فبدل أن تتحمل عشرات الأسر مشقة السفر، وما قد يرافقه من مخاطر وأعباء مالية، يمكن الاكتفاء بتفويض شخص أو وفد صغير يمثل الجميع، يحمل رسالة المواساة، ومعه كشف مساهمات الأهل والجيران والأصدقاء، لتصل مباشرة إلى أهل الفقيد.

    أما الآخرون، فيمكنهم التعبير عن مواساتهم عبر:
    الاتصالات الهاتفية،
    الرسائل الصوتية،
    اللقاءات المرئية،
    أو عبر المساهمات المالية التي تصل مباشرة إلى أهل المتوفى، ويُضاف إليها قدرٌ معقول مما كانت ستستهلكه تكلفة الرحلة للعزاء، بحيث يتحول ما كان يُنفق على الطريق إلى دعمٍ حقيقي يعين الأسرة في مصابها. وبذلك نكون قد نقلنا العزاء من عبءٍ اجتماعي إلى فعلٍ إنساني أكثر نفعًا وأقل ضررًا، دون أن نفقد روحه أو نُضعف معناه.

    إن المجتمعات الحكيمة ليست تلك التي تتمسك بالأشكال لمجرد أنها قديمة، ولا تلك التي تلهث خلف الجديد دون وعي، بل تلك التي توازن بين الأصالة والمصلحة، بين القيم والوسائل، بين الثبات والتطور.

    ولعل من الحكمة اليوم أن نعيد التفكير بهدوء في مفهوم العزاء، لا لننتقص منه، بل لنحفظه من أن يتحول إلى ما يرهق الناس بدل أن يخفف عنهم.
    فالعزاء في جوهره ليس سفرًا…بل رحمة و مواساة .