بقلم / الطيب مضوي شيقوق
“محام- كاتب -مستشار قانوني”
الأخ الكريم دكتور عبدالله أحمد عبدالله
احتراما
قرأتُ طرحكم النبيل بعناية، ووجدتُ فيه صراحة في مواجهة الذات، وصدقًا في تشخيص عِلّةٍ لم تصنعها الحرب بقدر ما كشفتها وعرّتها أمام الجميع.
أتفق معكم في أن ما جرى لم يكن صراعًا سياسيًا خالصًا، بل انزلاقًا اجتماعيًا عميقًا، أظهر هشاشة في بنية القيم، واختلالًا ظلّ يتخفّى خلف مظهرٍ من التماسك الزائف. كما أن إشارتكم إلى ظاهرة التعدي على ممتلكات النازحين، وما صاحبها من انكسارٍ في قيم الجوار والعِشرة، تمثل واحدة من أكثر الصور إيلامًا في هذه الحرب.
غير أنني—مع كامل الاتفاق مع طرحكم—أرى أن الصورة، على قسوتها، ليست مكتملة دون الإشارة إلى الوجه الآخر للمجتمع؛ ففي ذات اللحظة التي انهارت فيها بعض القيم، صمدت أخرى. كان هناك من حرس بيوت جيرانه، ومن حفظ الأمانة في غياب أهلها، ومن اقتسم القليل مع من لا يملك شيئًا. وهذه النماذج، في تقديري، ليست استثناءً عابرًا، بل هي بذور العافية التي يمكن أن يُبنى عليها مشروع التعافي.
أما عن تفسير ما حدث، فإنني أميل إلى أنه نتاج تراكمي لعوامل متعددة: غياب طويل لسيادة القانون، تراجع دور التربية والتعليم في ترسيخ القيم، تضخم الانتماءات الضيقة على حساب مفهوم المواطنة، ثم جاءت الحرب لتُطلق كل ذلك دفعةً واحدة دون كوابح.
وقد أصبتم—في تقديري—حين جعلتم العدالة الانتقالية مدخلًا أساسيًا لجبر الضرر، وكذلك حين أكدتم على ضرورة التنمية المتوازنة ومعالجة الاختلالات الاجتماعية. لكن هذه الخطوات، على أهميتها، تحتاج إلى ما يوازيها في العمق: إعادة بناء الإنسان نفسه.
نحن في حاجة إلى مشروع وطني يعيد صياغة الوعي الجمعي، ويؤسس لمعنى جديد للمواطنة، تكون فيه العلاقة بين الفرد والدولة قائمة على الحقوق والواجبات، لا على الانتماءات الضيقة أو ردود الفعل. فالتصافي الاجتماعي لا يقوم على النوايا الطيبة وحدها، بل على عدالة تُرى وتُلمس، وثقة تُبنى بالتراكم.
الأخ الدكتور عبدالله،
إن طرحكم يفتح بابًا مهمًا للنقاش، وربما الأهم من ذلك أنه يضعنا أمام مسؤولية الاعتراف قبل التبرير، والمواجهة قبل المجاملة. ولعل هذه المحنة، رغم قسوتها، تمنحنا فرصة نادرة لإعادة التأسيس—إن نحن أحسنا قراءة الدرس، وامتلكنا شجاعة البناء.
مع خالص التقدير.











إرسال تعليق