بقلم / بروفيسور بدر الدين عبدالرحيم ابراهيم.
التمويل الإسلامي ليس مجرد “منع للفائدة”.
لا يزال كثير من الباحثين والمؤسسات المالية الغربية وحتى المواطن الغربي ينظرون إلى التمويل الإسلامي باعتباره مجرد نظام “يمنع الفائدة” أو يستبدل اسم الفائدة بمسميات أخرى، بينما الحقيقة، وفي جانبه النظرى، أن مفهوم التمويل الخالي من الفائدة أوسع وأعمق بكثير من ذلك. فالفكرة الأساسية لا تقوم على إلغاء العائد أو الربح واجراء عمليات التمويل بدون رسوم، وإنما على تغيير طبيعة العلاقة التمويلية نفسها، بحيث تنتقل من علاقة “دائن ومدين” بسعر الفائدة إلى علاقات قائمة على صيغ بديلة كالبيع، والشراكة، والإجارة، وتقاسم المخاطر والعوائد.
هيمنة سعر الفائدة على الفكر الاقتصادي الغربي.
يعود هذا الالتباس الغربي إلى أن الفكر الاقتصادي الغربي الحديث نشأ وتطور تاريخياً حول سعر الفائدة باعتباره حجر الأساس للنظام المالي، إذ يستخدم لتسعير الزمن والمخاطر والسيولة والائتمان، ولذلك يصبح من الصعب، فكريا وعمليا، تصور نظام مالي يعمل دون الاعتماد على الفائدة كأداة مركزية في النظم المصرفية.
يرى بعض الاقتصاديين الغربيين أن تكلفة التمويل الإسلامي قد تقترب من تكلفة التمويل التقليدي، ويستنتجون أن الفرق شكلي فقط، دون الانتباه إلى أن الاختلاف الحقيقي، على الأقل في الجانب النظري منه، يكمن في صيغ بديلة تختلف في طبيعة العقود، ومسؤولية تحمل المخاطر، ويرتبط تمويلها بأصل أو نشاط اقتصادي حقيقي، مع الحد من المضاربات والديون غير المنتجة، وتعزيز البعد الاجتماعي والتنموي للتمويل.
الفرق الجوهري بين التمويل التقليدي والإسلامي.
التمويل التقليدي يقوم في جوهره على إقراض المال المال مقابل زيادة مالية محددة مسبقا ومتفق عليها بين الطرفين تسمى سعر الفائدة في ادبيات الاقراض الغربية، بغض النظر عن نتيجة النشاط الاقتصادي أو استخدام المبالغ محل القرض طالما أن هنالك ضمانات قويه للجهة الاقراضة،
أما التمويل الإسلامي فيعتمد على صيغ متنوعة مثل المرابحة، والمشاركة، والمضاربة، والإجارة، والسلم، والاستصناع، والمزارعة والاجارة وهي صيغ ترتبط ببيع سلعة أو منفعة أو تأجير خدمة أو الدخول في شراكة حقيقية بين الطرفين في تقاسم الربح والخسارة. ولذلك فإن دوران المال في التمويل الإسلامي لا ينظر إليه كسلعة مثلها مثل السلع الأخرى تباع وتشترى بذاتها، بل كوسيلة مرتبطة بالإنتاج والتجارة والاستثمار الحقيقي.
كيف ساهمت التطبيقات العملية في تعميق سوء الفهم؟
من ناحية أخرى، ساهمت بعض التطبيقات العملية للمؤسسات الإسلامية نفسها في تعزيز هذا الفهم الخاطئ، خاصة مع الاعتماد الكبير على صيغ المرابحة وربط التسعير بمؤشرات الفائدة في الأسواق لأغراض المقارنة والتسعير وإدارة المخاطر. هذا الواقع جعل كثيراً من المراقبين الغربيين يرون أن التمويل الإسلامي لم يبتعد فعليا عن المنطق التقليدي، بل أعاد صياغته في إطار قانوني مختلف.
لهذا فإن المشكلة لا تتعلق فقط بعدم فهم الغرب للتمويل الخالي من الفائدة، بل أيضاً بعدم قدرة المؤسسات الإسلامية أحياناً على تقديم نموذج مختلف بصورة واضحة وعملية. من الواضح اليوم أن تطبيق التمويل الإسلامي يقترب بصورة واضحة من الأدوات التقليدية التي في الجانب النظري والعملي ينبغي له أن يعمل بطريقة نقيضة لها.
لذلك زادت الصعوبة في إقناع العالم بأن التمويل الإسلامي ليس مجرد “فائدة مقنعة”، بل فلسفة مالية واقتصادية مختلفة في الأساس. المشكلة الحالية ليست فقط في الاختلاف النظري، بل في اللغة المصرفية المستخدمة، وطريقة التطبيق، والصورة الذهنية السائدة عالمياً في التمويل الإسلامي.
فعندما يقدم للعالم باعتباره مجرد نظام ديني يمنع الفائدة، فإن كثيراً من الاقتصاديين الغربيين ينظرون إليه باعتباره استثناء ثقافيا أو أخلاقيا، لا نموذجاً اقتصادياً تمويليا مقبولا لديهم و قابلا للتوسع العالمي. وفي المقابل، عندما تحاول المؤسسات الإسلامية تقليد الأدوات التقليدية مع تغيير الأسماء والصيغ القانونية فقط، فإنها تفقد جزءاً كبيراً من خصوصيتها الفكرية والاقتصادية.
من “منع الفائدة” إلى بناء نظام مالي أكثر استقرارا.
من الأصح اعادة النظر في شعار “منع الفائدة” بحيث يكون أقرب فى تركيزه على بناء نظام تمويل أكثر استقراراً وأقل اعتماداً على الديون والمضاربات.
فالعالم بعد الأزمات المالية المتكررة أصبح أكثر تقبلا لأفكار مثل التمويل المسؤول، والاستثمار الأخلاقي، والتمويل المستدام، والاقتصاد الحقيقي، وهي مفاهيم يلتقي معها التمويل الإسلامي في جانبه النظري وليس العملى اليوم في جوانب كثيرة.
كما أن التركيز على النتائج الاقتصادية والاجتماعية على الأرض من التمويل الإسلامي قد يكون أكثر فاعلية وأهمية من التركيز على الجدل الاصطلاحي السائد اليوم. فعندما يرى المستثمر أو صانع القرار أو المؤسسات الغربية أن هذا النموذج يقلل من الأزمات الناتجة عن التوسع المفرط في الديون مثلا بربط التمويل بالإنتاج الحقيقي، دعم المشروعات متناهية الصغر و الصغيرة وريادة الأعمال ومعالجة الفقر عبر تمويل الفقير النشط اقتصاديا، وتعزيز الشراكات لتقاسم المخاطر بدلاً من المديونية البحتة، وبالتالى تحقيق استقرارا اجتماعياً وتنموياً أكبر، فإنه العالم سيتعامل معه كنموذج اقتصادي عملي تنموي، لا فقط كنظام ديني خاص بالمسلمين ويسهل نقله للعالمية.
ما المطلوب لتطوير النموذج الإسلامي؟
هذا الأمر يحتاج إلى عدة شروط، أهمها تطوير منتجات تمويلية أكثر ابتكارا وعدالة وأقل تقليداً للنظام التقليدي، وعدم الاعتماد الكامل على المرابحة التي ارتبطت بأذهان الغرب بسعر القائدة والتحول نحو الشراكات والإجارة والسلم وبقية الصيغ البديلة بشكل. من المهم بناء مدارس فكرية واقتصادية جديدة تشرح النموذج بلغة مقبولة عالمية، والانتقال من مجرد “أسلمة الأدوات التقليدية” إلى إعادة التفكير في فلسفة التمويل الإسلامي نفسها.
خلاصة القول، قد يكون مستقبل التمويل الإسلامي الحقيقي ليس في محاولة إقناع العالم بأنه “بديل للفائدة” فقط، بل في تقديمه كنموذج مالي عالمي جديد يجمع بين الكفاءة الاقتصادية والاستقرار والعدالة الاجتماعية والتنمية.











إرسال تعليق