كارثة خور ود الحسن الموسمية على الأبواب وأباطرة مهرجان “المونيرا” ينتظرون “الفرجة” على مأساتنا

  • بتاريخ : 12 مايو، 2026 - 3:41 م
  • الزيارات : 21
  • نبض للوطن || أحمد يوسف التاي

    (1)
    لو كان في هذه الولاية، المسماه “سنار” والٍ واحد ممن تعاقبوا على حكمها من لدن المهندس أحمد عباس، وحتى الوالي الحالي اللواء الزبير حسن السيد، لو كان فيهم والٍ واحد فقط يخاف الله وموقن بأن الله سائله يوم القيامة عن رعيته، لما وقفوا جميعًا يتفرجون على مأساةٍ تطاول ليلها الحالك لعقدين من الزمان ، حتى أضحت مصدرًا للإضرار والشرور ومنبع المآسي الموسمية، بينما ذات الكارثة ظلت تتكرر عامًا بعد عامٍ، دون ان تجد العلاج رغم أن علاجها بالإمكان وفي المقدور..
    الولاة المتعاقبون ، الواحد بعد الواحد ، ظلوا خلال “19” عاماً يتفرجون على الكارثة السنوية التي تفتك بمواطنيهم وتفترسهم كأنها وحش قاتل، وهم يتفرجون كأن على رؤوسهم الطير وكأنهم يستمتعون بتلك المشاهد المأساوية، بل كأنهم يتفرجون على مهرجان “المونيرا” بمدرجات “كولوسيوم”
    في روما القديمة حيث يحضر الامبراطور وحاشيته والامراء والنبلاء والعامة ليتفرجون على مجزرة عظيمة ومقتلة مؤلمة يجلبوا إلى ساحتها العبيد والأسرى وبعض المطوعين من أشراسهم ليتقاتلوا فيما بينهم، وتحدث في ذلك المهرجان الموسمي مقتلة عظيمة ومأساة إنسانية كبرى، بينما الاباطرة يتفرجون ويستمتعون بالمشهد المأسوي الذي ينتظرونه سنويا للمتعة والمشاهدة، وفي بعض الموسم يؤتى بحيوانات مفترسة لتفتك بالاسرى والعبيد وهم يستمتعون بالفرجة على الاسود وهي تمزق أجساد الضحايا..
    صحيح المقارنة فيها بعض المبالغة، ولكن دعوني من هذا ، وأجيبوني : فلماذا يتفرج المسؤولون في الولاية والمحلية على مأساة أهلي 20 عامًا ولم يقدموا إلا حلولًا مضحكة لاتعبر إلا عن مهزلة واستخفاف بكرام لا يليقُ بهم إلا الإكرام والاحترام والتقدير…
    20 عامٌ وخور ود الحسن كان ولايزال بمثابة طاعون أو سرطان قاتل لأهلنا البسطاء ، أو وحش مفترس يهدد حياتهم  وأمنهم في كل عام، وقد سبق لهذه الكارثة المسماه بخور ود الحسن أن خلفت قتلى وشردت مواطنين، وكم أهلكت الحرث والنسل، وفقد مواطنون جراءها أراضٍ زراعية كانت مد البصر، وبسببها فقدوا ممتلكاتهم وأنعامهم، بل فقدوا الثقة في كل الولاة الذين حكموا الولاية خلال العقدين الماضيين، وفقدوا الثقة في المعتمدين والمديرين التنفيذيين الذين أدمنوا حلول التخدير الموسمية الفاشلة للكارثة المأساوية..وهي حلول أدمنوها لكونها تعود عليهم بالحوافز، وبنود الصرف الموسمية، أو هكذا بدت الصورة..
    (2)
    الغريب في مأساة خور ود الحسن ، أنه خلال عقدين من الزمان يتكرر نفس المشهد المأساوي…تصرف محلية الدندر سنويا مليارات الجنيهات لعمل سد ترابي لحجز مياه الخور، وفي كل مرة تأتي المياه المندفعة تلقف ما “يأفكون” وتطيح بالسد الترابي في دقائق معدودة…في كل عام تعجز السدود الترابية عن الصمود في وجه مياه الخور المندفعة ولو ساعة واحدة، ويترتب على “لعب العيال ” هذا إنقطاع أطول وأهم طريق اقتصادي يربط بين أكبر مناطق الزراعة الآلية في السودان بعد القضارف، ومناطق الاستهلاك في السودان ، كما يربط الطريق نفسه بين محمية الدندر القومية وبقية مدن السودان في ولايات الوسط والشمالية ونهر النيل والعالم أجمع..
    ويترتب على هذا “اللعب المكشوف” خسائر مادية ضخمة يتحملها المزارعون الذين انقطعت بهم السبل فترتفع تكلفة الإنتاج الزراعي بسبب زيادة تكلفة الترحيل، وضياع الوقت والجهد الذي يتضاعف بسبب الكارثة عشرات الأضعاف، هذا في أحسن الأحوال، أما في أسوأها فتضيع محاصيل كثيرة من بين يدي أصحابها بسبب عدم مقدرتهم على الوصول إلى مناطق زراعتهم على النحو المطلوب، فالذي بإمكانه الوصول إلى زراعته في ساعتين يحتاج إلى يومين أو ثلاثة أيام بعد الكارثة الموسمية …
    (3)
    أما الأكثر غرابة وقتامة أن المحلية الآن تفرض رسوما على المزارع (5.300) جنيه على كل جوال ذرة، وكأنها حلت مشكلة المزارع ومأساته المتعلقة بخور ود الحسن والتي انعكست بالأساس على تكلفة الانتاج، وصعوبة الاشراف والرعاية والمتابعة..
    يا جماعة قليل من الحياء، قليل من الرحمة، قليل من احترام البشر ، قليل من الشفقة على أمة محمد، وقليل من صحو الضمير ومخافة الله …
    هؤلاء المزارعون الغلابة المهددون بالسجون بسبب ارتفاع تكلفة الانتاج، المثقلون بالديون، أنتم أصلًا لم تحلوا مأساتهم الكبرى الموسمية المتكررة المتمثلة في خور ود الحسن وانقطاع الطريق المؤدي إلى مناطق زراعتهم، وما يترتب على ذلك من خسائر وإهدار للوقت والجهد والمال، أنتم لم تعالجوا مأساتهم الحقيقية، فكيف لكم أن تطلبوا رسوما من المزارع وهو قد خسر اضعاف ماتطلبونه منه بسبب إهمالكم وتقاعسكم وتقصيركم، انتم أيها المسؤولون في الولاية والمحلية لم تقوموا بواجبكم نحوهم، فكيف تطلبوا منهم أن يقوموا بواجبهم نحوكم، وبالقسر والارغام والإكراه والقهر، وقد دفعوا مسبقًا ثمن تقصيركم وإهمالكم..
    وتذكروا أن أياما قليلة تفصلنا عن (بعبع) خور ود الحسن، وسنشاهد معًا مهرجان مجزرة “المونيرا” بين “الوحش” وأسراكم المواطنين الغلابى في مدرجات “الكولوسيوم” في روما القديمة..
    (4)
    تذكروا أنكم أيها المسؤولون في الولاية والمحلية أنكم خلال (20) عامًا لم تقدموا حلولًا، إلا “حركات” موسمية فارغة وفاشلة وباهظة تستبطن الكثير من الاستهبال والاستغفال، بينما بعض النساء الحبليات يضعن مواليدهن بالعراء وتحت الأشجار قبل أن يصلن إلى المستشفى بسبب إنقطاع الطريق، وعلى ذلك قس حال المرضى ذوي الحالات الحرجة التي لاتتحمل التأخير والانتظار…
    وتذكروا أن هذه المأساة التي استمرت (20) عامًا دون علاج ، بمقدور أي والٍ، أو ضابط تنفيذي في محلية أن يعالجها خلال أشهر معدودة إذا توفرت النية الصادقة فقط واستشعار الكسؤولية ومخافة الله، فبناء كبري على خور موسمي لم يتجاوز الخمسين مترا ليس بالأمر الصعب، فهناك الكثير من الأموال التي أهدرت وتم صرفها في ما لايرضي الله ولا المواطن، فكان الأولى بها وضع حد لهذه المأساة الإنسانية، فالأمر ليس صعبا (كبري على خور)، بالله عليكم أيُعْجِزُ هذا ولاية غنية مثل سنار، أو محلية غنية مثل الدندر؟.. اللهم إليك المشتكى وأنت المستعان..
    (5)
    السيد الوالي، وأنت رأس السلطة في سنار، ومسؤول عما يحدث في كل شبر في ولايتك، وأقولها بكل وضوح، وكنت متابعًا لذلك ، أن جهازك التنفيذي المختص بعمل السدود والكباري ، لم يولِّ هذه المأساة أي قدر من الإهتمام، وكأنه في جزيرة معزولة لايلقي بالًا لما حدث من فقدان للارواح والممتلكات والأراضي والمحاصيل ، وما حدث من تشريد وما يتكرر من معاناة كل عام للمزارعين والمرضى والمسافرين بسبب هذه المأساة الموسمية التي لم تجد في كل عام إلا المزيد من التجاهل..أقول للسيد الوالي وهو مسؤول عن كل ما يحدث، أن المسؤولين في حكومتك عن هذا العمل، لم يكونوا على قدر المسؤولية ولم يفعلوا ما يليق بأي مسؤول ولاه الله أمر الناس ، فقد كانوا مصرين العام الماضي على (الردمية الترابية ) رغم وقوفهم على التجارب الفائتة وادركوا أن السدود الترابية لاتصمد الا دقائق معدودة أمام السيل المنحدر بقوة.. ومع ذلك اُجبر المدير التنفيذي لمحلية الدندر على عمل الردمية رغم أنفه ورغم اعتراضه عليها، لكنه فعلها مرغمًا حسبما تناهى إلى علمي، وخسر من موارد المحلية مالايقل عن 60 مليار جنيه ذهبت بها المياه المندفعة أدراج الرياح.. حدث كل ذلك بسبب النافذين في الولاية الذين لاينظرون إلى محلية الدندر إلا كبقرة حلوب يطلبون من أهلها عَلْفها والإمساك بقرونها كي يحلبوها..لكن الله سائلهم يوم القيامة عن كل أُمٍّ وضعت جنينها بالعراء تحت ألسنة الشمس اللاهبة، وعن كل مواطن ترك داره شريدًا نازحًا، إمعانا في النجاة وعن كل شخص حاصرت المياه بيته، وعن كل معاناة أخذت بتلابيب أي مزارع تجرع الألم وحالت هذه الكارثة الموسمية دون الوصول إلى زراعته بسلام..وعن كل ما يعلمه الله وحده من آلام وأوجاع تسبب بها الخور ولم نُحط بها علما…..اللهم هذا قسمي فيما املك..
    نبضة اخيرة:
    ضع نفسك دائمًا في الموضع الذي تحب أن يراك فيه الله، وثق أنه يراك في كل حين.