لماذا رثيتك… ولماذا سأرثيك مرةً بعد مرة

  • بتاريخ : 12 مايو، 2026 - 5:01 م
  • الزيارات : 8
  • بقلم / المهندس الإمام عبد اللطيف

     

     

    كتبتُ فيك: «*حقٌّ لي أن أبكيك*» *يا جلال الدين*، ولعلّ سائلاً يقول: أما كفاك رثاءٌ واحد؟ أما سكنت لواعج الحزن بما سطرت؟

     

    فأقول: والله لو نثرتُ فيك ألف قصيدة، ولو سكبتُ الدمع حبراً والأنين مداداً، لظللتُ مقصّراً في حقك. لأنك لم تكن رقماً عابراً في دفتر العزاء، ولا اسماً يمرُّ فتمحوه الأيام. كنتَ قيمةً تمشي على قدمين، ووجهاً من وجوه الوفاء التي ندرت في هذا الزمان.

     

    *رثيتك لأن بعض الرجال إذا مضوا، مضت معهم أمةٌ من القيم*. ترحل معهم الشهامة، ويغيب معهم الصدق، وتنكسر هيبة المواقف، وتبرد حرارة المجالس، ويُفقد أمان الكلمة، وتذبل المروءة. رثيتك لأنك كنت الظلَّ الظليل في هجير الحياة، والركنَ الركين إذا مادت الأرض بالناس، والسندَ الذي لا يميل حين تميل الدنيا بأهلها.

     

    فهل يُلام قلبٌ تهاوى ظله، وروحٌ انهدَّ ركنها، إذا صاحت من عمق الفجيعة؟

     

    *رثيتك لأن السكوت عنك خيانةٌ للتاريخ وجحودٌ للفضل*. كيف يُطوى ذكر رجلٍ كان المجلس يحتشد بحضوره وقاراً، وتنصت القلوب لكلامه قبل الآذان، وإذا حكم عدل، وإذا وعد أوفى، وإذا عاهد صدق؟ كيف يُختزل جبلٌ كهذا في دمعة عابرة أو سطر مقتضب؟ إن الوفاء الصادق لا يُختزل، والمحبة العميقة لا تعرف النسيان.

     

    *رثيتك لأنك كنت أخاً لم تلده أمي*، ولكن ولدته المواقف. قاسمتني الزاد والهمّ، وكنت معي في العسر قبل اليسر، وفي الضيق قبل السعة، وفي الملمات قبل المناسبات. فكيف يُهال التراب على هذا كله ويُدفن في صمت؟ إن القلب الذي خَبِرك لا يحسن النسيان، والقلم الذي كتبك لا يعرف الجفاف.

     

    *وسأرثيك مرةً أخرى… وثالثةً ورابعة*. سأكتب عنك ما بقي في الصدر نبض، لأن ذكرك بعثٌ للمعاني النبيلة التي أوشكت على الانقراض. سأكتب ليعلم القادمون أن في زماننا عاش رجلٌ اسمه جلال الدين المنصور، نقيُّ السريرة، عفيفُ اليد واللسان، كأنه بقيةٌ من عهد المروءة الأولى.

     

    *سأرثيك لأن المداد لا ينضب إذا كان ينبعه الحب*، والدمع لا يجف إذا كان الفقد بحجم وطن. سأكتب ليقرأ أبناؤك فيدركوا أيَّ طودٍ كان أبوهم، وليتذكر أهل حويوا أيَّ ركنٍ هوى، وأيَّ سيرةٍ غابت جسداً لكنها ستبقى حاضرةً في الضمائر ما بقي الوفاء.

     

    *يا سائلي: لمَ يتكرر البكاء؟*

    أقول:

    • وهل يكلُّ النهر عن المسير إلى البحر؟

    • ⁠وهل يندمل جرحٌ أصاب سويداء القلب؟

    • ⁠وهل تخبو اللوعة إذا كان الفقد بحجم العمر كله؟

     

    *فحقٌّ لي أن أبكيك اليوم… وحقٌّ لي أن أبكيك غداً*… وحقٌّ على كل من عرفك أن يلهج بذكرك ما تعاقب الجديدان. لأنك كنت الاستثناء الذي لا يتكرر، والفقد الذي لا يُعوَّض، والأثر الذي سيظل ممتداً في الأرواح ما دام في الناس بقية وفاء.

     

    *فيا جلال الدين… نم قرير العين، مطمئن الروح*. فما دام فينا نفسٌ يتردد، فسيبقى اسمك حياً في الحرف، وسيرتك منارةً في الدرب، وذكراك وسامَ شرفٍ لا يبليه الزمن.

     

    رحمك الله رحمةً واسعة، وأسكنك الفردوس الأعلى من الجنة مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أؤلئك رفيقاً.

     

    إنا لله وإنا إليه راجعون

     

    المفجوع / الإمام عبد اللطيف الإمام