بقلم: د. مختار خضر بشراب
في زمن أصبحت فيه المعلومة تنتقل من شخص إلى آخر خلال ثوانٍ، لم تعد الشائعات مجرد أحاديث عابرة أو أخبار يتناقلها الناس دون اهتمام، بل تحولت إلى ظاهرة قد تشكل خطراً حقيقياً على أمن المجتمعات واستقرارها النفسي والاجتماعي. فالكلمة التي تُطلق دون تحقق، والمعلومة التي تُنشر دون مصدر موثوق، قد تتجاوز حدود التعبير الفردي لتصبح سبباً في إثارة الخوف، وإشاعة البلبلة، والإضرار بسمعة الأفراد والمؤسسات.
إن أخطر ما في الشائعة ليس فقط أنها قد تكون كاذبة، وإنما قدرتها على التحول إلى حقيقة في أذهان المتلقين نتيجة التكرار وسرعة الانتشار، خصوصاً عندما تُقدم في صورة خبر مؤكد أو تُرفق بصور ومقاطع فيديو تُستخدم خارج سياقها.
الشائعات والأمن المجتمعي
لا يقتصر مفهوم الأمن على حماية الحدود ومواجهة التهديدات المباشرة، بل يشمل المحافظة على السلم الاجتماعي والثقة العامة واستقرار المجتمع. ومن هذا المنطلق، فإن تداول المعلومات غير المؤكدة حول الأوضاع الأمنية أو الأحداث العامة أو المؤسسات قد يؤدي إلى إثارة الارتباك والخوف، والتأثير في سلوك الأفراد وقراراتهم.
وتزداد خطورة هذه الظاهرة عندما تُستخدم الشائعات بصورة منظمة لتأجيج الخلافات، أو إثارة الانقسامات، أو التشكيك في المؤسسات، أو التأثير في الرأي العام. ففي أوقات الأزمات، قد تتحول المعلومة المغلوطة إلى مصدر إضافي للاضطراب، وتعرقل وصول الحقائق إلى الناس في الوقت المناسب.
ولا يعني ذلك أن كل خبر غير مؤكد يمثل تهديداً أمنياً، ولكن التعامل معه باعتباره حقيقة، وإعادة نشره دون تحقق، قد يضاعف آثاره ويحول خطأً فردياً إلى مشكلة مجتمعية.
الأثر النفسي: حين يصبح الخوف جزءاً من الحياة اليومية
لا تقل الآثار النفسية للشائعات خطورة عن آثارها الأمنية. فالتعرض المستمر للأخبار المثيرة للقلق والمعلومات المضللة قد يضع الأفراد في حالة من التوتر والترقب وفقدان الشعور بالأمان.
كما أن تداول الاتهامات والمعلومات غير المثبتة يخلق مناخاً من الشك وانعدام الثقة، ويؤثر في العلاقات بين أفراد المجتمع، وقد يمتد أثره إلى الأسرة والأطفال والشباب، الذين يتأثرون بما يسمعونه ويشاهدونه دون امتلاك الأدوات الكافية للتمييز بين الحقيقة والتضليل.
ومن أخطر نتائج هذه الظاهرة أن يتحول القلق من رد فعل مؤقت إلى حالة عامة، وأن يصبح الإنسان متوجساً من محيطه ومشككاً في كل ما يسمعه، حتى عندما لا توجد أسباب حقيقية لذلك.
وسائل التواصل الاجتماعي وتضخيم الضرر
لقد منحت وسائل التواصل الاجتماعي الأفراد قدرة غير مسبوقة على إنتاج المعلومات وتداولها، لكنها في الوقت نفسه جعلت انتشار الشائعات أسرع وأوسع نطاقاً.
فقد تنتشر رسالة مجهولة المصدر خلال دقائق، ويعيد آلاف المستخدمين تداولها دون التأكد من صحتها. وقد تُستخدم صورة قديمة لتصوير حدث جديد، أو يُجتزأ مقطع فيديو لإعطاء انطباع مخالف لحقيقته، أو تُنسب تصريحات إلى أشخاص لم تصدر عنهم.
والمشكلة أن بعض المستخدمين يعتقدون أن إعادة النشر لا تحمل مسؤولية، متناسين أن كل مشاركة قد تسهم في توسيع دائرة الضرر، وأن الاعتذار أو حذف المنشور بعد انتشاره لا يعني بالضرورة إمكانية إزالة آثاره.
حرية التعبير لا تعني حرية الإضرار بالآخرين
من المهم التمييز بين النقد المسؤول وإطلاق الشائعات. فالنقد حق مشروع، ووسيلة ضرورية لتصحيح الأخطاء وتعزيز الشفافية والمساءلة، شريطة أن يستند إلى الوقائع والأدلة وأن يحترم حقوق الآخرين وكرامتهم.
أما نشر الاتهامات دون دليل، أو تقديم التخمينات باعتبارها حقائق، أو تعمد تشويه سمعة الأشخاص والمؤسسات، فلا يمكن تبريره تحت مظلة حرية التعبير.
إن حرية التعبير مسؤولية أخلاقية وقانونية، والتعامل مع المعلومات يقتضي التمييز بين ما نعرفه، وما نعتقده، وما لا نملك دليلاً على صحته. كما أن احترام حق المجتمع في المعرفة لا يتعارض مع ضرورة حماية الأفراد من التشهير والإساءة والتضليل.
المسؤولية المشتركة في مواجهة الظاهرة
إن مواجهة الشائعات ليست مسؤولية الأجهزة الأمنية أو المؤسسات الإعلامية وحدها، بل هي مسؤولية تبدأ من الفرد وتمتد إلى الأسرة والمدرسة والمؤسسات التعليمية والإعلامية ومختلف مكونات المجتمع.
ويتطلب ذلك ترسيخ ثقافة التحقق قبل النشر، والرجوع إلى المصادر الرسمية والموثوقة، وعدم تحويل الشكوك والتوقعات إلى أخبار، واحترام خصوصية الأفراد، وتعزيز الوعي الإعلامي والرقمي، خصوصاً لدى الشباب.
كما تقع على المؤسسات المعنية مسؤولية توفير المعلومات الدقيقة والواضحة في الوقت المناسب، لأن غياب المعلومات أو تأخرها قد يترك مساحة واسعة للتكهنات والتفسيرات الخاطئة.
ومن المهم كذلك أن تكون مواجهة التضليل قائمة على الشفافية والمصداقية، وألا تتحول مكافحة الشائعات إلى وسيلة لإسكات النقد المشروع أو تقييد تداول المعلومات الصحيحة.
الكلمة أمانة وأمن المجتمع مسؤولية الجميع
إن استقرار المجتمعات لا يتحقق بقوة مؤسساتها وإمكاناتها وحدها، بل يحتاج أيضاً إلى وعي أفرادها وإدراكهم لمسؤولية الكلمة وأثرها.
فالشائعة قد تبدأ برسالة مجهولة المصدر أو تعليق عابر أو معلومة لم تخضع للتحقق، لكنها قد تنتهي بالإضرار بسمعة إنسان، أو إثارة الخوف في أسرة، أو زعزعة الثقة في مؤسسة، أو خلق حالة من الاضطراب في المجتمع.
ومن هنا، فإن المسؤولية لا تقع على من يختلق الشائعة وحده، بل تمتد أيضاً إلى من يساهم في نشرها وتضخيمها دون وعي أو تحقق.
إننا بحاجة إلى مجتمع يحترم الحقيقة، ويمارس حرية التعبير بمسؤولية، ويدرك أن أمنه النفسي والاجتماعي جزء لا يتجزأ من أمنه العام.
فليس كل ما نسمعه يستحق أن ننقله، وليس كل ما نتداوله حقيقة، وليس كل ما نستطيع نشره ينبغي أن ننشره. فالكلمة أمانة، والمعلومة مسؤولية، وحماية المجتمع تبدأ من وعينا بما نقول وما نكتب وما نعيد تداوله.







إرسال تعليق