العطا بين طمأنة دارفور وإنذار الخرطوم.. الحرب مستمرة نحو الغرب وقوات خاصة لمنع أي تمرد داخلي

  • بتاريخ : 3 نوفمبر، 2026 - 5:21 م
  • الزيارات : 28
  • رئيس هيئة الأركان: لا انتقام من القبائل.. معركتنا ضد مرتزقة عابرين للحدود ومخططات الموساد وعيال زايد.. ولن نسمح لأي كيان الحكم بقوة السلاح

    رصد وقراءة / الهنا حميدان حسن

    في خطاب واحد، حاول الفريق أول ركن ياسر العطا أن يخاطب جبهتين متعاكستين: طمأنة مجتمعات دارفور وكردفان من جهة، وتوجيه إنذار مبطن للقوى المتحالفة معه داخل الخرطوم من جهة أخرى.
    الخطاب الذي ألقاه مساعد القائد العام ورئيس هيئة الأركان، الأحد 2 نوفمبر أمام مجموعات من القوات المرابطة في العاصمة، لا يزال يثير تداعيات واسعة بعد مرور 72 ساعة، لما تضمنه من إعلان عن مسار المرحلة المقبلة من الحرب، وتوصيف جديد لطبيعة العدو.
    *أولاً: رسالة إلى دارفور وكردفان – ليست حرب قبائل*
    قال العطا بوضوح: “الحرب ليست موجهة ضد قبيلة بعينها أو مجتمعات محلية في أي بقعة من أرض الوطن”.
    وسمّى القبائل بالاسم في سابقة لم يسبق لها مثيل في خطاب عسكري: الرزيقات والحوازمة والهبانية والبني هلبة والسلامات والمسيرية، مؤكداً أنها “غالية ومقدرة لدى القيادة العسكرية”، وأن انضمام بعض أفرادها لقوات الدعم السريع لا يعني مسؤولية مجتمعاتها.
    ونفى وجود أي نية للانتقام على غرار “حملات الدفتردار”، مشدداً على أن العقيدة القتالية للجيش تقوم على حماية الحقوق وصون الكرامة.
    وتأتي هذه الطمأنة في وقت أعلن فيه العطا أن إقليمي دارفور وكردفان هما مسرح المرحلة المقبلة، مؤكداً أن الجيش ماضٍ في عملياته حتى تطهير كامل التراب الوطني. وهو ما تجسد اليوم الثلاثاء 3 نوفمبر بإعلان القيادة العامة إسقاط مسيرة استراتيجية عبرت من إثيوبيا في النيل الأزرق، وصد هجوم لقوات الدعم السريع وجماعة جوزيف توكا على بكوري وسالي.
    *ثانياً: من يقاتل الجيش؟ – مرتزقة وموساد*
    وضع العطا المقاتلين الأجانب في قلب رواية الحرب. قال إن الجيش يواجه “آلاف المرتزقة” استجلبتهم أسرة دقلو من النيجر وجنوب السودان وإثيوبيا والصومال الشمالي (بونتلاند) وتشاد وليبيا وكولومبيا.
    واتهم “دولة الشر التي يرعاها عيال بن زايد بالتنسيق مع الموساد” بالوقوف وراء مخطط لتفتيت السودان ونهب ثرواته. وهي الاتهامات التي شكلت أساس شكوى السودان التي أودعتها الخارجية أمس الاثنين لدى مجلس الأمن ومجلس السلم والأمن الأفريقي، والتي وثقت 70 هجوماً بـ187 مسيرة انطلقت من قواعد أصوصا وبحر دار والكرمك – قيزن.
    وقال العطا إن تدمير منشآت الكهرباء والمياه والبنية الأساسية لن يثني الجيش عن مواصلة القتال، وهي الجملة التي انتقدتها الأمم المتحدة التي أعلنت اليوم أن إنتاج الكهرباء انخفض من 4400 ميغاواط قبل الحرب إلى 1100 ميغاواط، مما عطل المياه النظيفة والخدمات الأساسية.
    *ثالثاً: رسالة إلى الخرطوم – قوات خاصة لمنع أي تمرد*
    وسط لهجة الطمأنة، مرر العطا رسالة ثانية، أكثر خطورة، لم تكن موجهة للدعم السريع، بل لحلفائه في الميدان.
    قال بالنص، حسب ما نقل موقع المؤمن نيوز: “قوات حماية العاصمة الخرطوم تلقت تدريباً خاصاً لحمايتها وتأمينها من كل من يحاول العبث بأمنها أياً كان. هذه القوات لها قدرات ردع كبيرة ومسنودة بقوات ومجموعات أخرى إضافية ومستمرون في تطويرها وتزويدها بكافة الإمكانيات”.
    وأضاف: “نحن لا نعرف إلا الله ثم الوطن والجيش والقائد العام ولن نسمح لأي مجموعة أو كيان الحكم بقوة السلاح وقواتكم قادرة على إنفاذ ذلك”.
    في الخرطوم، فسر المراقبون “أياً كان” و”أي مجموعة أو كيان” على أنها إشارة واضحة إلى القوات المشتركة – حركات الكفاح المسلح التي تقاتل إلى جانب الجيش، وتملك اليوم وجوداً ثقيلاً في العاصمة بعد تحريرها.
    هذه الحركات، التي يمثلها في مجلس السيادة مني مناوي وجبريل إبراهيم، بدأت تتحدث علناً عن نصيبها في السلطة القادمة وفق اتفاق جوبا. وكان العطا نفسه أعلن قبل أسابيع بدء ترتيبات دمجها في الجيش، قائلاً إن من لا يرغب في الاندماج ستوفر له برامج تدريب مهني.
    ويعني إعلان قوات خاصة لحماية الخرطوم أن الجيش يرى نفسه القوة الشرعية الوحيدة داخل العاصمة، وأن زمن الجيوش المتعددة داخل الخرطوم انتهى.
    *التداعيات*
    بين طمأنة دارفور وإنذار الخرطوم، يكشف خطاب العطا تحولاً في عقيدة الجيش:
    من حرب ضد تمرد إلى حرب ضد ما يصفه بمؤامرة إقليمية ودولية، ومن تحالف ضرورة مع الحركات إلى سعي لإعادة احتكار السلاح داخل العاصمة.
    الانتقادات لم تتأخر. مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان وثقت مقتل 306 مدنيين في الأسابيع الثلاثة الأولى من أكتوبر وحده في هجمات مسيرات نسبت لطرفي الحرب، ونسبت للجيش ضربات على مواقع نازحين في غبيش والنهود بين 6 و10 أكتوبر. واعتبرت منظمات أن “الطمأنة اللفظية لا تكفي أمام سجل ثقيل من الضحايا”.
    لكن أنصار الجيش رأوا في خطاب العطا تأكيداً على أن المعركة لم تعد انتقاماً قبلياً، بل معركة سيادة ضد مرتزقة عابرين للحدود، وأن حماية الخرطوم بقوات خاصة هي ضمانة لمنع تكرار سيناريو 15 أبريل 2023.
    من مجلس الأمن إلى سماء النيل الأزرق إلى قوات حماية الخرطوم، السودان يدخل مرحلة جديدة: حرب في الغرب مع طمأنة قبلية، وحسم في العاصمة ضد أي سلاح خارج الجيش.
    فهل ينجح العطا في الفصل بين الحرب والمجتمع في دارفور، وبين التحالف والاندماج في الخرطوم؟

    *الهنا حميدان حسن*