رئيس الوزراء.. هل تخاطب شعبًا في كوكب المشتري؟!.. اي تحسن هذا الذي تتحدث عنه!؟! 

  • بتاريخ : 31 أكتوبر، 2026 - 7:28 م
  • الزيارات : 22
  • الخارجية.. ليس الجوع وحده موتًا! قد تجد الغذاء، ويستعصي عليك شراؤه

     

    بقلم السفير الصادق المقلي

    ( C )

     

    *سادسًا*: *حين ترد الحكومة على التحذيرات الدولية ببيانات الطمأنة*!

     

    ولعل الأكثر إثارة للاستغراب هو رد وزارة الخارجية السودانية على البيان الدولي. فقد جاء ردها في السياق نفسه الذي جاءت فيه تصريحات رئيس الوزراء، إذ وصفت الوضع الغذائي بأنه مطمئن، واستندت إلى وجود مخزون استراتيجي وعمليات زراعية جارية، وقللت من خطورة التحذيرات الدولية، بل ذهبت إلى التشكيك في دوافع بعض الدول والمنظمات واتهامها بتسييس الأزمة الإنسانية.

    *ولكن السؤال: أين هذا المخزون الاستراتيجي*؟ *وما حجمه الفعلي*?

     

    وأين يوجد؟ وكيف يمكن ضمان وصوله إلى ملايين المواطنين الذين يعجزون عن توفير احتياجاتهم الغذائية؟

    ثم إن الحديث عن الموسم الزراعي باعتباره ضمانة لتوفير احتياجات البلاد يتجاهل حجم التحديات التي تواجه الإنتاج الزراعي في ظل الحرب. فشح الأمطار هذا العام، وتراجع معدلات الهطول في مناطق إنتاج رئيسية، فضلًا عن النزوح وانعدام الأمن وتعطل البنية التحتية، كلها عوامل تهدد الإنتاج الزراعي. وقد أشار تقرير منظمة الأغذية والزراعة إلى انخفاض الأمطار عن معدلاتها المعتادة في مناطق زراعية مهمة، منها القضارف وسنار. كما أن الهجمات بالمسيرات على منشآت الكهرباء في أكتوبر أضافت أضرارًا جديدة إلى البنية التحتية التي تعتمد عليها خدمات الري والإنتاج الزراعي.

    فكيف يمكن الحديث عن ضمان وفرة الغذاء استنادًا إلى موسم زراعي تحاصره كل هذه المخاطر، دون تقديم تقديرات واضحة للإنتاج المتوقع وحجم المخزون المتاح وقدرة المواطنين على الحصول عليه؟

    والأهم من ذلك كله أن المجاعة لا تُختزل في انتظار إعلان رسمي أو إحصاء أعداد الموتى جوعًا بعد وقوع الكارثة. صحيح أن التصنيف العلمي للمجاعة يتضمن مؤشرات محددة تتعلق بنقص الغذاء وسوء التغذية والوفيات، لكن الأزمة الغذائية قد تبلغ مستويات خطيرة قبل استيفاء شروط إعلان المجاعة رسميًا.

    وهنا ينبغي التمييز بين توافر الغذاء في الأسواق وبين قدرة الناس على شرائه. فقد تكون السلع موجودة، ولكن ماذا يعني وجودها إذا كانت أسعارها تفوق قدرة ملايين المواطنين؟ وما جدوى الحديث عن مخزون استراتيجي إذا كان المواطن لا يملك ثمن ما يحتاج إليه منه؟

    إن المجاعة بمعناها الإنساني الأوسع تبدأ حين يعجز الناس عن تأمين غذائهم، وتتآكل قدرتهم الشرائية، ويضطرون إلى تقليص وجباتهم أو الاستغناء عنها أو اللجوء إلى بدائل لا تصلح غذاءً للبشر.

    وهذا ما ينبغي أن تنظر إليه الحكومة بجدية، بدلًا من الاكتفاء بالاستناد إلى وجود مخزون أو نفي إعلان المجاعة رسميًا.

    إن إنكار الأزمة لا يوفر رغيفًا للجائع، والتشكيك في التحذيرات الدولية لا يملأ بطون المحتاجين، والحديث عن مخزون استراتيجي لا قيمة له ما لم يصل الغذاء إلى من يحتاجونه ويكون في مقدورهم الحصول عليه.

    نعم صدقت *مهدي الخليفة*.. الأزمات الإنسانية لا تُعالج باتهام الآخرين بتسييسها.

    و إن الحديث عن وجود مخزون استراتيجي وعمليات زراعية جارية لا يكفي لإثبات أن الغذاء متاح لكل السودانيين، ولا يعني أن المواطنين قادرون على شرائه، أو أن المساعدات تصل إلى المناطق التي تحتاج إليها. فالمشكلة ليست في وجود الغذاء داخل المخازن أو في إنتاج بعض المناطق الزراعية، وإنما في قدرة ملايين المواطنين على الوصول إليه في ظل الحرب وانهيار الدخول وارتفاع الأسعار وتعطّل الأسواق وطرق النقل والتجارة.

    وليس أشد قسوة على ملايين الجائعين من أن تتحول معاناتهم إلى مادة للمجادلة السياسية، بينما تتآكل قدرتهم على البقاء، ويصبح الحصول على وجبة تسد الرمق معركة يومية لا تقل قسوة عن معركة النجاة من القصف والنزوح..

    و إنكار المجاعة لن يُطعم الجائعين..