دولة القانون || د. عبد العظيم حسن
لم يكن الخطأ الجوهري في تأسيس الدولة السودانية سياسياً فحسب، بل امتد إلى أدبياتها الاجتماعية والاقتصادية. فعلى الصعيد الاجتماعي، ظل التمييز الجهوي والقبلي والديني حاضراً في الفضاء العام، وهذا ما دفعني، في مؤلف الأسماء التجارية في التشريعات العربية، إلى التوصية بحظر الأسماء ذات الدلالات الجهوية أو القبلية أو الدينية، حمايةً للمواطنة المتساوية. واقتصادياً، لم نتخلص، قبل الاستقلال أو بعده، من ثقافة معارضة الحكومة في شخص الدولة، حتى غدا إضعاف المؤسسات العامة أحياناً غايةً، بصرف النظر عن مصالح المواطنين. أما سياسياً، فقد ازدهرت الأشعار والأناشيد والأغاني التي تنال من الخصوم، بالغةً حد الفجور، وكأن الإساءة إلى الآخر انتصار، لا خسارة مشتركة للوطن.
كشفت حرب الخامس عشر من أبريل أننا لم نستفد من مآسينا بقدر ما أظهرنا أسوأ ما فينا؛ إذ يكفي تصنيف صاحب أي مبادرة، وإن لم يكن، بأنه «كوز» أو «قحاتي» أو «شيوعي» لإجهاضها، دون النظر إلى جدواها. والمفارقة أن هذا الاستقطاب لا يعبر بالضرورة عن غالبية السودانيين؛ إذ تشير بحوث مبذولة إلى أن 92.7% منهم لا ينتمون إلى المنظومات المدنية، بما فيها الأحزاب والنقابات والجمعيات التعاونية والاتحادات الطلابية، وأن نسبة الملتزمين فعلياً بالاشتراكات وحضور الاجتماعات ضمن بقية ال 7% لا تتجاوز 3%. هذه الأرقام تكشف اتساع الفجوة بين المجتمع ومنظومات العمل الجماعي، وتطرح سؤالاً جوهرياً حول كيف نسمح لمجموعات محدودة فرض خطابها على المجال العام.
إن الفرقة والشتات ليسا السبب الوحيد لاستمرار الحرب، لكنهما من العوامل التي تهيئ بيئةً لإطالة أمدها وتوسيع آثارها. لذلك، فإن إنهاء الحرب لا يتطلب وقف البنادق وحدها، بل يستلزم أيضاً وقف الكراهية في النفوس والألسنة، ورفض إقصاء السودانيين بتصنيفاتهم، والاحتكام إلى قيمة المبادرات وجدواها لا إلى هوية أصحابها. فدولة القانون لا تقوم بالتشريعات والمؤسسات وحدها، وإنما بثقافة تحترم الاختلاف وتصون المواطنة، وتقدم المصلحة الوطنية على الخصومة. بعبارة أخرى، أولى خطوات إنهاء الحرب أن نوقفها في نفوس السودانيين قبل بنادقهم، وأن نتوقف عن هدم وطننا بالكلمات قبل أن نعيد بناءه بالأفعال.
د. عبد العظيم حسن
المحامي – الخرطوم
27 أكتوبر 2026






إرسال تعليق