إن أريد إلا الإصلاح|| محجوب مدني محجوب
البعض يظن أن من يصنع الطغاة والظلمة ومغتصبي السلطة هم اللصوص والمجرمون والخونة.
لكن كلا.
إن من يصنع الطغاة هم أنصاف المتعلمين.
إن من يصنع الطغاة هم الذين يلبسون ثياب الخير، ولكن في حقيقتهم هم أولئك الذين يتوددون ويعظمون هؤلاء الطغاة.
إن خطر هؤلاء على الوطن أخطر من المجرمين واللصوص.
لماذا؟
لأن المجرمين واللصوص سيظهرون ضعف الطغاة أرادوا ذلك أم لم يريدوا.
أما أنصاف المتعلمين وأدعياء الخير، فهؤلاء هم أشد خطرا من غيرهم على الوطن.
أشد خطر؛ لأنهم يشرعنون حكم الطاغية.
أشد خطرا؛ لأنهم يكونون بمثابة الطلاء الذي يجملون به سلوك وجرم وفظائع الطاغية.
إذ أنه كلما تردد الطاغية، وشاهد بأم عينيه بأن هذا الطريق الذي يسير عليه لا شك أنه مهلك له، ومهلك للحرث والنسل إلا وانبرى له أنصاف المتعلمين هؤلاء يجملون له صنيعه، ويزيونون له أعماله، فيرجع ويصدق نفسه.
لا.
والأدهى والأمر حينما يسقط وينهار هذا الطاغية جراء جرمه وفساده، فإن أول المتخلين عنه هم هؤلاء أنصاف المتعلمين.
تخلوا عنه ليس ندما أو علما، وإنما تخلوا عنه؛ ليبحثوا لهم عن طاغية آخر يزينون له عمله ويرفعون له قدره.
فكم من طاغية سقط لم يسقطه سوى تمسكه بقوته الزائفة.
هذه القوة الزائفة لم يصنعها أحد سوى هؤلاء، وبمجرد ما يرون أنه ليس ثمة أمل من بقائه يتركونه وحده يسقط، وهم أنفسهم من يلفون حوله حبل المشنقة.
لذلك تجد كل طاغية عند نهايته يردد أنه غدر وغرر به.
يردد أن سقوطه وهلاكه كان بسبب مؤامرة.
كل الطغاة هذه نهايتهم.
وسبب هذا التفسير للسقوط الذي يكاد يتفق عليه كل الطغاة هو أن هؤلاء الطغاة يرون أن الذين قاموا برفع مكانتهم وبحماية ملكهم وسلطانهم هم أنفسهم من تخلوا عنهم في وقت الضعف والعجز.
فالشاهد أنه ليس ثمة قضية يدافع عنها.
ليس ثمة فكر.
وإنما هي سلطة وجاه ونفوذ وأكل عيش يسعى الكل أن يكون له نصيب منه.
فمجرد أن يترنح الطاغية ويفقد فيه الأمل يترك يسقط وحيدا.
ويظل يردد الطاغية حينئذ:
ليس تبا للجناة.
ليس تبا للأعداء.
ليس تبا للصوص والمجرمين.
وإنما يردد الطاغية وكل طاغية:
تبا للغدر.
يردد:
تبا للمؤامرة.
يردد:
تبا للخونة.
في إشارة واضحة لمن كان يسانده ويدعمه حينما كان السلطان بيده.
هذا هو المشهد الذي يتكرر في كل حقبة من حقب التاريخ، ولات ساعة متعظ.
﴿وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّاصِرِينَ﴾سورة العنكبوت آية ( 25)
صدق الله العظيم






إرسال تعليق