إصلاح الممارسة السياسية يبدأ بتغيير هذه العقلية الإقصائية الجرداء

  • بتاريخ : 29 سبتمبر، 2026 - 10:56 م
  • الزيارات : 8
  • نبض للوطن || أحمد يوسف التاي

    (1)
    خلال جلسات حوارية، ونقاشات، وحوارات صحافية، مع شخصيات سياسية سودانية امتدت لنحو 37 عاما، بعضها للنشر وبعضها “أُف ريكورد”، ومن خلال قراءات ومتابعات ، وملاحظات عديدة خرجتُ بحصيلة عززت قناعاتي بأن العقلية السياسية التي تفتقت عنها ممارسات سياسية معطوبة، وخرجت عنها مفاهيم معتلة هي التي فرخت كل أزماتنا السياسية في السودان..فالمشكلة لم تكن أبدا في كثرة اختلافاتنا، وإنما في عجزنا عن إدارة هذا الاختلاف.
    فمنذ العام 1955، ظل السودان يدور في حلقة مفرغة من الصراعات والحروب والأزمات السياسية، تتغير أطرافها وشعاراتها، لكن يبقى جوهر الأزمة الحقيقي هو عجزنا عن إدارة تعددنا وتنوعنا واختلافاتنا بالوسائل السياسية السلمية، وفقا لمفهوم الممارسة السياسية وإدارة الاختلاف.
    (2)
    لو أن الساسة أدركوا أننا مجتمع متعدد المشارب والأعراق والثقافات والمناطق والمصالح، وأن هذا التنوع ثروة عظيمة، ومصدر قوة للدولة، لكان حال السودان اليوم مختلفا جدا ، ولكان السودان اليوم قوة إقتصادية وعسكرية هائلة ، ولكانت كل دول العالم تعمل لنا اليوم  ألف حساب ، وهذا ما يؤكده واقع ثروات السودان وموارده الإقتصادية الضخمة التي بعثرتها وبددتها عقليات سياسية منغلقة تعاني خللا في المفاهيم السياسية للإختلاف وإدارته، وقبول الآخر..
    للأسف ، وبسبب تلك العقلية السياسية تحول هذا التنوع الثر من نعمة إلى نقمة، بالمحاولات المستمرة لإقصاء الآخر المختلِف بل إلغائه بالمرة..والنتيجة حروب وشلالات دماء ونزاعات، ومجاذر واضطرابات وأزمات سياسية، وعدم استقرار، وإهدار للموارد، واستبداد وقهر وفساد، وصرف على أمن الحاكم وحماية النظام ، وإنقلابات عسكرية.
    (3)
    فالاختلاف ليس أمرا سيئا، والمعارضة ليست خيانة، والخصم السياسي ليس عدواً بالضرورة، والسياسة في جوهرها هي فن إدارة المصالح المتعارضة، والبحث عن الممكن، وبناء التوافق بين المختلفين. لكننا حوّلنا الممارسة السياسية في كثير من الأحيان إلى معركة لإلغاء الآخر وأي طرف يريد فرض رؤيته على الآخرين، لا أن يمارس حقه في الحكم والممارسة السياسية بالتوافق معهم.
    هذه العقلية السياسة الجرداء لم تفهم يوما أن الممارسة السياسية، لها أخلاق وضوابط ، وأهداف تصب في مصلحة الرعية وجلب المنافع ودفع الضرر عن المجتمع ومهارة في التفاوض وإدارة الأزمات، وقدرة على بناء التحالفات والتسويات، ومرونة في الوصول للتوافق مع الآخر من أجل المصلحة العامة والأمن والإستقرار والنهضة ورفاهية الشعب.. هذه العقلية السياسية البائسة غابت عنها كل هذه المفاهيم والأهداف والقيم، لذلك “حدس ما حدس”
    فهل تلقى ساستنا تدريباً منظماً في إدارة النزاعات؟ وهل درسوا فنون التفاوض وبناء التوافق وصناعة السياسات العامة وإدارة التنوع؟
    ، فهل يدركون أن السياسة نفسها تحتاج إلى علم وتدريب، وقواعد مؤسسية تضبط الممارسة..
    لن تنتهي أزمات السودان بمجرد تغيير الأشخاص أو الحكومات إذا ظلت العقلية السياسية ذاتها هي المتحكمة فينا.
    (4)
    نحتاج إلى الانتقال من ثقافة الغلبة والقهر والأحادية  إلى ثقافة التوافق، ومن الرغبة في إقصاء المنافس السياسي إلى إدارة الاختلاف، ومن الشخصنة إلى المؤسسية.
    نحتاج إلى أحزاب سياسية تتعلم كيف تختلف ، وكيف تتفاوض، وكيف تقبل التسوية، وكيف تنتقل من المعارضة إلى الحكم دون أن تتعامل مع موارد الدولة باعتبارها غنائم سياسية.
    وكما قلتُ في مقالات سابقة عديدة إننا نريد ممارسة ديمقراطية حقيقية تقوم على ثقافة قبول الآخر، وإدارة الاختلاف والتنوع، ومؤسسات تمنع تحويل الخلاف إلى صراع وجودي.. ( يا إنتو يانحنا، لا كدى ما ينفع، البلد بلدنا ونحنا اسيادا ما ينفع، وترق كل الدماء ما ينفع)..هذه هي بداية إصلاح الممارسة السياسية.
    نريد التوافق ولو على الحد الأدنى، وهذا ليس صعبا
    لقد دفع السودان ثمناً باهظاً لأننا لم نتعلم بعد كيف نختلف دون أن نتقاتل.
    التحدي اليوم هو كيف يستطيع السودانيون، مهما اختلفوا، أن يعيشوا معاً داخل دولة واحدة؟
    (5)
    يتملكني يقين راسخ أن أزمات السودان، في جوهرها أزمة عقل سياسي، نتج عنه خلل بنيوي في الممارسة، و المفهوم. مارست هذه العقلية السياسة كمهنة من لا مهنة له، ففهمت أن الاختلاف كجريمة تستوجب الإقصاء، والإلغاء فكانت النتيجة الحتمية التي نعيشها منذ 1955 إلى اليوم دولة جائعة متسولة رغم إمكانياتها الإقتصادية الهائلة، وحروب تقضي على الأخضر واليابس، وجعلنا المشكلة هي
    التنوع وكان يمكن أن يكون هذا التنوع مصدر ثراء، لكننا حولناه إلى مصدر خوف. لأننا لم نفهم معنى الاختلاف.
    (6)
    في العقلية السياسية السليمة، الاختلاف تنافس في البرامج، أما عندنا الاختلاف خيانة وعمالة وارتزاق وتخوين وشيطنة. هذه العقلية المعتلة ترى أن الآخر المختلف في الرأي ليس منافسا سياسياً، بل عدو وجودي يجب إقصاؤه من المشهد كلياً، فعشنا أنظمة متعاقبة كل نظام يجيء لشطب النظام الذي قبله، وكل حزب إذا وصل إلى السلطة اعتبر أن الوطن مزرعته الخاصة.
    في بلادنا، السياسة مهنة مفتوحة للجميع بلا مؤهل، المزارع يترك مشاريعه الزراعية ويصبح زعيماً سياسياً، والطبيب يترك عيادته ويصبح منظراً سياسياً، والتاجر يترك تجارته ورجل الأعمال يترك استثماراته، وكلهم يمارسون السياسة بلا علم ولا تأهيل.
    بالتأكيد لم أقصد التقليل من شأن هذه الفئات بقدرما أريد الإشارة الى التخصصية وأن لكل علم أهله. لا يمكن لمهندس أن يجري عملية قلب، ولا لطبيب أن يصمم كوبري، فالسياسة علم له أصوله، وفن له أدواته، من علوم سياسية، وعلاقات دولية، واقتصاد سياسي، وتفاوض، وإدارة أزمات… معظم ساستنا لم يدرسوا حرفاً من هذا، ولم يتلقوا دورة واحدة في إدارة الدولة أو التفاوض أو حتى في أخلاقيات الاختلاف. يمارسون السياسة بالحماسة والانفعال والولاء القبلي والحزبي الضيق، لا بالعلم والخبرة والتراكم.
    ما لم نصلح مفاهيمنا، سنظل ندور في نفس الحلقة: إقصاء، فحرب، ففشل، ثم إقصاء جديد…
    ….اللهم هذا قسمي فيما املك..
    نبضة اخيرة:
    ضع نفسك دائمًا في الموضع الذي تحب أن يراك فيه الله، وثق أنه يراك في كل حين.