بقلم / الطيب مضوي شيقوق- المحامي والمستشار القانوني
لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم واتوب اليه . انا لله وانا اليه راجعون
ما أقسى أن يأتيك خبر الرحيل فجأة، فتشعر أن الكلمات، التي طالما أطاعتهـا أقلامنا، قد استعصت علينا، وأن الحروف تقف عند عتبة القلب عاجزةً عن أن تقول ما يليق بمقام الفقد.
رحل البروفيسور بابكر بكري، فرحل معه حضورٌ كان يملأ مجالس العلم والقانون والأدب، وترك وراءه فراغاً لا تملؤه الأيام، وذكراً طيباً لا تطفئه السنون.

كان من أولئك الذين يصعب اختصارهم في سيرة أو حصر أثرهم في لقب. فقد جمع بين أستاذية العالم، ودقة القانوني، ورهافة الشاعر، فكان للكلمة عنده مقامها؛ إذا كانت في القانون أحاطها بالدقة والانضباط، وإذا كانت في الشعر منحها من روحه جمالاً وإحساساً.
ولعل أكثر ما يؤلم في رحيله أننا كثيراً ما نؤجل كلمات التقدير حتى يأتي وقت لا يعود فيه ممكناً أن يسمعها أصحابها. وقد كان البروفيسور بابكر بكري واحداً من أولئك الكبار الذين كان يستحقون أن تُقال في حياتهم كلمات كثيرة، وأن يُحتفى بعطائهم وهم بيننا.
ومنذ أن بلغني خبر رحيله، وأنا أتتبع ما يكتبه عنه القانونيون وتلاميذه وزملاؤه ومحبو علمه وأدبه. وفي كل شهادة أجد جانباً جديداً من شخصيته، وأدرك أن الإنسان لا تسكنه الكتب التي ألّفها ولا المناصب التي شغلها وحدها، وإنما يسكن في نفوس الذين ترك في حياتهم أثراً، وفي ذاكرة من تعلموا منه، وفي قلوب من عرفوا إنسانيته.
لقد كان بابكر بكري من أولئك الذين لا ينتهي حضورهم بانتهاء أعمارهم؛ لأن العلم الذي تركوه لا يرحل معهم، والكلمة الطيبة التي غرسوها في نفوس تلاميذهم لا تموت، والأثر الذي صنعوه في مجالاتهم يواصل مسيرته من جيل إلى جيل.
وفي رحيله تفقد الأسرة أباً وعزيزاً، ويفقد القانون أستاذاً، وتفقد الجامعة عالماً، ويفقد الأدب صوتاً رقيقاً، ويفقد تلاميذه ومحبوه إنساناً ترك في نفوسهم من الذكرى ما يجعل الغياب حضوراً آخر.
رحم الله البروفيسور بابكر بكري رحمة واسعة، وأكرم نزله، ورفع مقامه، وجعل ما قدم من علمٍ وأدبٍ وتعليمٍ في ميزان حسناته، وجعل تلاميذه ومحبيه وطلابه الأوفياء امتداداً لرسالته.
نم قرير العين أيها الأستاذ الجليل؛ فقد مضيت، وبقي علمك شاهداً عليك، وبقي أدبك، وبقيت كلماتك في ذاكرة من عرفوك، وبقي الأثر الذي لا يرحل برحيل صاحبه.
وما الموت إلا انتقال من دار إلى دار، وما يبقى للإنسان بعد رحيله إلا ما غرسه في الأرض من علم، وما تركه في القلوب من محبة، وما خلفه من أثر طيب.
رحم الله البروفيسور بابكر بكري، وأسكنه فسيح جناته، وألهم أهله وطلابه وزملاءه ومحبيه الصبر وحسن العزاء.
إنا لله وإنا إليه راجعون.







إرسال تعليق