بقلم / م. م. الإمام عبداللطيف الإمام
ليست قضية تأشيرة رئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان لدخول نيويورك مجرد إجراء دبلوماسي. إنها قضية سيادة دولة ومكانتها في النظام الدولي.
أن واشنطن حجبت التأشيرة وربطت إصدارها بقبول البرهان لهدنة 90 يوماً. السودان طلب تدخل الأمين العام، والأمم المتحدة نفسها أعربت عن قلقها.
منذ متى صارت تأشيرة دخول مقر الأمم المتحدة ثمناً لموقف سياسي؟ وهل يحق للدولة المضيفة أن تحول حق العضوية إلى ورقة ضغط وابتزاز ؟
القانون واضح. *اتفاقية المقر 1947 بين أمريكا والأمم المتحدة* تنص في موادها على عدم وضع أي عوائق أمام دخول ممثلي الدول الأعضاء، ومنح التأشيرات دون تأخير. فالأمر ليس منة أمريكية، بل التزام قانوني دولي.
ولذلك فالمعركة ليست معركة تأشيرة، بل *معركة قرار.*
وإذا كان المطلوب من رئيس السودان أن يدفع موقفاً سياسياً ثمناً لحق أصيل، فالرد يجب ألا يكون مرتبكاً، بل رد دولة تعرف كيف تنتزع حقها بالقانون والندية.
*وهنا يبرز السؤال الأهم: ماذا سيفعل رئيس مجلس السيادة؟*
هل يكتفي باحتجاج وينتظر؟ أم يحول الأزمة إلى فرصة لإعادة ترتيب بيت الدولة كله؟
المطلوب ليس خطاباً غاضباً، بل قرار دولة يقول بوضوح:
*نحن نحاور ولا نقاطع، نتفاوض ولا ننبطح، نستمع للمبادرات لكننا لا نقبل الإملاء ولا الوصاية. مكان نقاش الخلافات السياسية هو القنوات الدبلوماسية، وليس شباك الجوازات في مطار جون كينيدي.*
وحان وقت *المعاملة بالمثل*. فالتي تمنع رئيسنا من دخول مقر أممي لا يمكن أن تظل تتمتع بكل التسهيلات في بورتسودان. الندية ليست انفعالاً، بل أداة دبلوماسية مشروعة تمارسها كل الدول التي تحترم نفسها.
*ولكي لا تظل القضية خطابية، فهناك مسار قانوني عملي يجب أن يسلكه السودان فوراً.* فاتفاقية المقر تنص في *المادة 21* على آلية تحكيم ثلاثية عند خرق الدولة المضيفة لالتزاماتها. وقد فعلها العالم من قبل: حين منعت واشنطن *ياسر عرفات* عام 1988، لم تصمت الجمعية العامة، بل نقلت دورتها كاملة إلى *جنيف* احتجاجاً على تعسف الدولة المضيفة. المطلوب اليوم من بعثة السودان في نيويورك أن تطلب رسمياً من اللجنة المعنية بعلاقات الدولة المضيفة إدراج الشكوى، والمطالبة ببيان تضامن من المجموعة العربية والمجموعة الأفريقية وحركة عدم الانحياز. فالقضية ليست سودانية فقط، بل هي قضية كل دولة تخشى أن تستخدم واشنطن التأشيرة سلاحاً ضدها غداً.
*والفقرة الثانية التي يجب أن يدركها صانع القرار السوداني هي أن السودان ليس بلا أوراق قوة.* من يظن أننا الطرف الأضعف واهم. السودان اليوم يجلس على ساحل طوله 750 كيلومتراً على *البحر الأحمر*، أهم ممر للتجارة العالمية، وتطرق بابه كل القوى الكبرى للتعاون الأمني والاقتصادي. كما يملك موارد استراتيجية – الذهب والمعادن النادرة والأمن الغذائي – يحتاجها العالم. فلماذا نتعامل بمنطق المحتاج بينما نملك ما يحتاجه الآخرون؟ إن احترام التأشيرة يبدأ من احترام المصالح. فإذا كانت واشنطن تربط التأشيرة بالهدنة، فمن حق الخرطوم أن تربط كل تعاونها ومصالحها في البحر الأحمر باحترام سيادتها. هذا هو منطق الدول، لا منطق الاستجداء.
لكن المواجهة ليست مع واشنطن وحدها. هذه اللحظة تكشف حقيقة أكبر: *لا سيادة خارجية بلا دولة قوية في الداخل.*
لا يمكن أن نطلب احترام العالم وجهازنا التنفيذي بطيء ومرتبك، وولاياتنا بلا تقييم، ومالنا العام بلا رقابة صارمة.
– الاستنفار والمقاومة الشعبية يجب أن تتحول من حملات موسمية إلى مؤسسة قانونية منضبطة.
– الإعلام يجب أن يتحول إلى صناعة الرواية وتقديم الحقيقة، وتفنيد التضليل، ورفع المعنويات بوعي ومسؤولية، بعيداً عن الشائعات.
– الحرب يجب أن تدار بمعلومة وتخطيط وقرار مهني، لا بردود فعل على ضغوط خارجية.
*وفي المقابل، فإن أقوى رد عملي على ضغوط الخارج هو التقدم في الميدان. فعلى الرئيس ورئاسة الأركان زيادة وتيرة تحرير المدن في كردفان ودارفور، وبسط سلطة الدولة وفرض هيبتها. فكل مدينة تتحرر، وكل طريق يُؤمن، وكل مواطن يعود إلى داره، هو ورقة سيادة إضافية تضاف إلى رصيد الدولة في أي تفاوض قادم. العالم لا يحترم البيانات، بل يحترم الوقائع على الأرض. وتوقيت ومسارات تلك المعارك يحددها الميدان والقيادة المختصة وحدها.*
*أخطر ما قد يحدث أن تتحول الضغوط الخارجية إلى ارتباك داخلي. وأقوى ما يمكن فعله هو العكس: تحويل الضغط إلى وضوح، والأزمة إلى فرصة لترتيب البيت الوطني.*
لقد وصلت رسالة واشنطن. ويجب أن تصل رسالة السودان أوضح:
*السودان لا يغلق بابه أمام الحوار، لكنه لن يفتح أبداً باب قراره الوطني لمن يريد الدخول بشروطه.*
السؤال اليوم ليس: هل ستمنحك أمريكا التأشيرة؟
السؤال هو: *ماذا ستفعل إذا جعلت أمريكا تأشيرتك ثمناً لموقفك؟*
هنا يُختبر معدن القيادة، وهنا يعرف الشعب إن كانت دولته تملك قرارها أم تنتظره من غيرها.
*التأشيرة تسمح لك بدخول أرض أمريكا، لكنها لا تسمح لأمريكا بدخول قرار السودان.*
*والله غالب.*







إرسال تعليق