خطة متكاملة لإصلاح وتطوير الشرطة السودانية من شرطة الاستجابة إلى شرطة الدولة الذكية والمجتمعية

  • بتاريخ : 20 سبتمبر، 2026 - 9:55 م
  • الزيارات : 24
  • بقلم: د. سعاد فقيري

    إن بناء الدولة بعد الحرب لا يكتمل بإعادة المباني والمؤسسات فقط، بل بإعادة بناء هيبة القانون وثقة المواطن في أجهزة الدولة. وتأتي الشرطة في مقدمة المؤسسات التي تحتاج إلى مشروع إصلاح شامل؛ لأنها المؤسسة الأقرب إلى المواطن، والأكثر احتكاكاً بحياته اليومية وأمنه وممتلكاته.
    ومن هنا، فإن المطلوب ليس مجرد إعادة تشغيل مراكز الشرطة، وإنما إعادة بناء منظومة شرطية حديثة تقوم على المهنية والانضباط والسرعة والتكنولوجيا واحترام القانون، وتجمع بين الشرطة النظامية والشرطة المتخصصة والشرطة المجتمعية، مع وضوح الاختصاصات ومنع التداخل.
    أولاً: الرؤية
    شرطة مهنية، موحدة المعايير، سريعة الاستجابة، ذكية تقنياً، قريبة من المواطن، خاضعة للقانون والمساءلة، وقادرة على حماية الأرواح والممتلكات والنظام العام.
    وتكون القاعدة الأساسية:
    الشرطة لخدمة المواطن وحماية المجتمع وتطبيق القانون، وليست بديلاً عن القوات المسلحة أو القضاء أو النيابة.
    ثانياً: الأهداف الاستراتيجية
    إعادة بناء الشرطة على أساس الكفاءة والمهنية.
    توحيد اللوائح والنظم الشرطية في جميع الولايات والمحليات.
    إعادة توزيع القوة الشرطية وفق الكثافة السكانية والحاجة الأمنية.
    تطوير الشرطة المجتمعية وربطها بالمواطن.
    تحديث شرطة المباحث والتحقيق الجنائي.
    إدخال التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي في العمل الشرطي.
    إنشاء قواعد بيانات جنائية موحدة.
    رفع كفاءة التدريب والتأهيل.
    تحسين أوضاع أفراد الشرطة المهنية والاجتماعية.
    تعزيز الرقابة الداخلية والمساءلة ومنع استغلال السلطة.
    تطوير شرطة المرور والدفاع المدني والشرطة السياحية والبيئية وغيرها من التخصصات.
    إعداد الشرطة للتعامل مع المدن الحديثة والكوارث والأزمات والجرائم الإلكترونية.
    ثالثاً: إعادة هيكلة الشرطة
    يجب أن تقوم الهيكلة على وضوح القيادة والاختصاص والمسؤولية.
    1. رئاسة الشرطة
    تتولى:
    التخطيط الاستراتيجي.
    وضع السياسات واللوائح الموحدة.
    التدريب والتأهيل.
    الموارد البشرية.
    المعلومات وقواعد البيانات.
    الإمداد والتجهيز.
    الرقابة والتفتيش.
    التنسيق بين الولايات.
    مكافحة الجرائم العابرة للولايات.
    التحول الرقمي.
    2. شرطة الولايات
    تتولى تنفيذ السياسة الشرطية وفق خصوصية كل ولاية، مع الالتزام بالمعايير الوطنية الموحدة.
    3. شرطة المحليات
    تكون نقطة الاتصال اليومية مع المواطن، وتضم:
    مراكز الشرطة.
    الدوريات.
    الشرطة المجتمعية.
    المرور.
    البحث الجنائي.
    حماية الأسرة والطفل.
    الاستجابة للطوارئ.
    رابعاً: توحيد لائحة الشرطة المجتمعية
    وهذه نقطة مهمة جداً في ضوء ما يظهر في الصورة المرفقة.
    لا يجوز أن تكون الشرطة المجتمعية ذات تعريف أو اختصاصات مختلفة من محلية إلى أخرى أو من وحدة إدارية إلى أخرى.
    لذلك أقترح إصدار:
    اللائحة القومية الموحدة للشرطة المجتمعية
    وتحدد بوضوح:
    الاختصاصات.
    الهيكل.
    علاقة الشرطة المجتمعية بالشرطة النظامية.
    حدود التعامل مع المواطنين.
    آليات البلاغات.
    آليات الوساطة المجتمعية.
    حماية النساء والأطفال.
    منع التدخل في اختصاصات القضاء والنيابة.
    منع حمل السلاح خارج الضوابط القانونية.
    التدريب.
    الزي والهوية.
    آليات الرقابة والمساءلة.
    والأهم:
    الشرطة المجتمعية شريك للشرطة النظامية وليست شرطة موازية.
    خامساً: مركز شرطة حديث في كل محلية
    ينبغي تحويل مركز الشرطة من مجرد مكان لتلقي البلاغات إلى مركز خدمة أمنية متكامل.
    ويضم:
    الاستقبال → البلاغات → التحقيق الأولي → المباحث → حماية الأسرة والطفل → المرور → الشرطة المجتمعية → الخدمات الإلكترونية.
    مع تخصيص مسارات واضحة للنساء والأطفال وكبار السن وذوي الإعاقة.
    سادساً: شرطة المباحث والتحقيق الجنائي
    هذه من أهم حلقات الإصلاح.
    نحتاج إلى شرطة تحقيق تعتمد على:
    الأدلة الجنائية.
    البصمات.
    البصمة الوراثية DNA.
    الكاميرات.
    تحليل البيانات.
    الأدلة الرقمية.
    مسرح الجريمة.
    قواعد البيانات الجنائية.
    الربط الإلكتروني بين الولايات.
    ويجب الانتقال من:
    “من اعترف؟”
    إلى:
    “ما الدليل؟ وكيف جُمعت الأدلة؟ وكيف يمكن إثبات الجريمة أمام القضاء؟”
    سابعاً: الشرطة الرقمية والذكاء الاصطناعي
    الشرطة الحديثة لا يمكن أن تعمل بعقلية الملفات الورقية وحدها.
    لذلك نقترح إنشاء:
    منظومة الشرطة الرقمية السودانية
    وتشمل:
    البلاغ الإلكتروني.
    الملف الجنائي الإلكتروني.
    سجل المركبات.
    رخص القيادة.
    البصمات.
    الأدلة الجنائية.
    بيانات المفقودين.
    بيانات المركبات المسروقة.
    الخرائط الأمنية.
    إدارة الدوريات.
    تحليل أنماط الجرائم.
    مع ضوابط صارمة لحماية الخصوصية ومنع إساءة استخدام البيانات.
    ثامناً: غرفة عمليات موحدة للخرطوم
    تحتاج ولاية الخرطوم إلى غرفة عمليات شرطية مركزية مرتبطة بالمحليات.
    وتعمل على مدار الساعة، وتربط:
    الشرطة.
    المرور.
    الدفاع المدني.
    الإسعاف.
    البلاغات والطوارئ.
    الدوريات.
    الكاميرات وفق القانون.
    خرائط الجرائم.
    ويتم توزيع الدوريات بناءً على البيانات ومعدلات البلاغات وليس على التقديرات العشوائية.
    تاسعاً: شرطة المرور
    إعادة بناء شرطة المرور لتصبح منظومة ذكية:
    المخالفات الإلكترونية.
    كاميرات الطرق.
    الدفع الإلكتروني.
    قاعدة بيانات للمركبات.
    ربط الرخص إلكترونياً.
    إدارة الحوادث.
    خرائط النقاط السوداء للحوادث.
    حملات السلامة المرورية.
    تنظيم المواقف والنقل العام بالتنسيق مع الجهات المختصة.
    عاشراً: حماية الأسرة والطفل
    إنشاء وحدات متخصصة في كل ولاية ومحلية للتعامل مع:
    العنف الأسري.
    الأطفال المعرضين للخطر.
    المفقودين.
    الاستغلال والاتجار بالبشر.
    الاعتداءات الجنسية.
    قضايا النساء.
    مع تدريب أفراد متخصصين في التعامل الإنساني والقانوني مع هذه الحالات.
    الحادي عشر: الشرطة النسائية
    يجب توسيع دور الشرطة النسائية وتأهيلها بصورة احترافية.
    وجود المرأة الشرطية ضروري في:
    حماية الأسرة.
    قضايا الأطفال.
    التحقيقات التي تتطلب وجود شرطيات.
    المنافذ والمطارات.
    السجون ومراكز الاحتجاز التابعة للجهات المختصة.
    الشرطة المجتمعية.
    التوعية والوقاية.
    الثاني عشر: التدريب
    لا يمكن إصلاح الشرطة من دون إصلاح منظومة التدريب.
    أقترح إنشاء مسارات تدريبية متخصصة:
    التدريب الأساسي
    القانون – الانضباط – حقوق الإنسان – استخدام القوة وفق القانون – التعامل مع الجمهور.
    التدريب المتقدم
    التحقيق – الأدلة – الجرائم المنظمة – الجرائم الإلكترونية – مكافحة الاتجار بالبشر.
    التدريب القيادي
    الإدارة – التخطيط – إدارة الأزمات – القيادة – إدارة الموارد.
    التدريب التقني
    الذكاء الاصطناعي – تحليل البيانات – الأدلة الرقمية – الأمن السيبراني.
    الثالث عشر: مراجعة الموارد البشرية
    الإصلاح لا يعني فقط زيادة عدد أفراد الشرطة.
    بل يجب إجراء مراجعة مهنية شاملة للقوة وفق معايير واضحة:
    المؤهل.
    التدريب.
    الخبرة.
    الأداء.
    التخصص.
    الانضباط.
    الحاجة الفعلية للوحدة.
    وإعادة توزيع القوة وفق الاحتياجات الفعلية، مع وضع نظام واضح للترقيات والنقل والانتداب.
    الرابع عشر: مكافحة الفساد داخل المؤسسة
    أي مشروع إصلاح للشرطة لن ينجح إذا لم يعالج الفساد الإداري والمالي.
    لذلك يجب إنشاء:
    وحدة تفتيش ورقابة شرطية مستقلة مهنياً داخل المنظومة
    تراجع:
    الترقيات.
    النقل.
    الانتداب.
    المشتريات.
    العهد.
    الوقود.
    المركبات.
    الأسلحة والمعدات.
    التعيينات.
    الشكاوى ضد أفراد الشرطة.
    مع حماية المبلّغين وفق القانون.
    الخامس عشر: الشرطة والمواطن
    يجب تغيير فلسفة العلاقة من:
    المواطن يخاف من الشرطة
    إلى:
    المواطن يلجأ إلى الشرطة عندما يحتاج إلى حماية القانون.
    وذلك عبر:
    استطلاعات دورية لرضا المواطنين.
    مكاتب للشكاوى.
    خطوط اتصال واضحة.
    سرعة الاستجابة.
    نشر أرقام مراكز الشرطة.
    حملات توعية قانونية.
    لقاءات دورية بين الشرطة والمجتمع.
    السادس عشر: شرطة الأحياء
    لكل حي ضابط أو نقطة اتصال شرطية معروفة للمواطنين، تعمل على:
    معرفة المشكلات الأمنية.
    رصد الظواهر الإجرامية.
    التواصل مع لجان الأحياء.
    حماية المدارس.
    مكافحة المخدرات.
    حماية الأسواق.
    معالجة المشكلات قبل تحولها إلى جرائم.
    مع التأكيد على أن الشرطة المجتمعية لا تتحول إلى أجهزة سياسية أو قبلية أو أهلية مسلحة.
    السابع عشر: خطة المائة يوم
    يمكن تنفيذ المرحلة الأولى في 100 يوم:
    أول 30 يوماً
    حصر القوة.
    حصر المراكز.
    حصر المركبات والمعدات.
    تحديد الاحتياجات.
    مراجعة اللوائح.
    إنشاء غرفة عمليات مركزية.
    من اليوم 31 إلى 60
    إعادة توزيع القوة.
    تشغيل المراكز ذات الأولوية.
    تفعيل الشرطة المجتمعية.
    تدريب الدفعة الأولى.
    إطلاق نظام البلاغات الموحد.
    من اليوم 61 إلى 100
    تشغيل قواعد البيانات.
    ربط المحليات بالقيادة.
    تطوير المرور.
    تشغيل وحدات حماية الأسرة والطفل.
    تقييم الأداء ونشر النتائج المؤسسية.
    الثامن عشر: خطة الثلاث سنوات
    السنة الأولى
    استعادة الانضباط والانتشار والخدمات الأساسية.
    السنة الثانية
    التحول الرقمي والتخصص والتدريب المتقدم.
    السنة الثالثة
    الشرطة الذكية وربط الولايات وإنشاء منظومة وطنية متكاملة للبيانات والتحليل الشرطي.
    التاسع عشر: مؤشرات قياس النجاح
    لا ينبغي أن نقول “الشرطة تطورت” دون أرقام.
    لذلك تقاس الخطة عبر:
    زمن الاستجابة للبلاغ.
    نسبة البلاغات التي تمت معالجتها.
    زمن إنجاز المعاملات.
    معدل الجرائم المسجلة والمكتشفة.
    نسبة القضايا المدعومة بالأدلة.
    رضا المواطنين.
    نسبة الخدمات الإلكترونية.
    زمن استخراج الوثائق.
    جاهزية المركبات.
    ساعات التدريب لكل فرد.
    عدد الشكاوى ونسبة معالجتها.
    العشرون: الرسالة الكبرى
    إن إصلاح الشرطة ليس مشروعاً أمنياً فقط، بل مشروع دولة.
    فالشرطة القوية ليست التي تكثر نقاط التفتيش، وإنما التي:
    تمنع الجريمة قبل وقوعها، وتصل إلى المواطن سريعاً، وتحترم القانون، وتجمع الأدلة بطريقة مهنية، وتحمي الضعيف، وتحاسب المخطئ، وتستخدم التكنولوجيا، وتعمل وفق مؤسسة لا وفق الأشخاص.
    ومن هنا فإن رئاسة الشرطة وولاية الخرطوم أمام فرصة مهمة لإعادة تنظيم العمل الشرطي، خصوصاً في ما يتعلق بالشرطة المجتمعية واللوائح المنظمة لها على مستوى المحليات والوحدات الإدارية.
    والحل ليس إلغاء الشرطة المجتمعية، ولا تركها تعمل بلا ضوابط، وإنما إعادة بنائها داخل منظومة شرطية موحدة، واضحة الاختصاصات، مدربة، خاضعة للرقابة، ومتصلة مباشرة باحتياجات المواطن.
    نريد شرطة قوية بالقانون، لا بالقوة وحدها؛
    وشرطة قريبة من المواطن، لا بعيدة عنه؛
    وشرطة حديثة بالتكنولوجيا، لا بالملفات الورقية؛
    وشرطة مهنية تحمي الدولة والمجتمع، وتعمل تحت سقف القانون.
    المرحلة المقبلة: شرطة سودانية جديدة… مهنية، رقمية، مجتمعية، وقادرة على حماية الدولة والمواطن.