نبض للوطن || أحمد يوسف التاي
(1)
الضائقة المعيشية الراهنة ، والتي كانت من نتاج تحول “الدولار” إلى معركة ضد الوطن ، والمواطن المغلوب على أمره، هذه الضائقة لم يدفع ثمنها القاسي جدا مسؤولو الحكومة، ولا كبار موظفيها، ولا كبار الضباط، ولا الرأسمالية، ولا سماسرة الدولار، ولا الممسكون بمقابض المال ولا متحصلون اختزلوا إيرادات الدولة في حسابات بنكك الخاصة بهم، ولا مسؤولون أزالوا الخيوط الفاصلة بين أموال الدولة وأموالهم الخاصة و(رفعوا الكلفة وجعلوا الحالة واحدة في ظل عدم المحاسبة وغياب الشفافية)..ولا قائمون على أمر الجبايات (بدون إيصال رسمي)..كل هؤلاء لم يكونوا ضحايا معركة الدولار والجنيه ولم يدفعوا ثمن هذه الضائقة التي أناخت بكلكلها على صدر المواطن الضعيف، وعفصت الأسر محدودة الدخل بخفيها الأماميتين..الثمن القاسي جدا دفعه المواطن البسيط الذي يشتري حاجاته بالجنيه ويتفاجأ في كل مرة بارتفاع الأسعار، ودفعه الموظف الذي يتقاضى راتبه بالجنيه، وفي كل يوم يصبح مجرد ارتفاع الدولار سبباً في موجة جديدة من الغلاء الطاحن الذي لايطاق ابدًا.
وخلاصة القول أن هناك أصناف من البشر سواءً أكانوا راسمالية، او جهات حكومية، أو سماسرة يشعلون معركة الجنية والدولار ويحصدون غنائم المعركة، ويجلسون ليتفرجوا على نيرانها المستعرة وهي تحرق أصبع وقلوب الغلابة الذين لاحيلة لهم..إنها معركة خالية من الشرف والأخلاق.
(2)
أعلم يقينا انه ليس كل دولار يخرج من السودان مشكلة، وليس كل من يطلب الدولار مضارباً، كما أن المشكلة الاقتصادية السودانية لا يمكن اختزالها في سعر الصرف وحده، هذا كله ادركه بكل يقين، لكن ثمة حقيقة يصعب تجاهلها وهي انه كلما اتسعت الحاجة إلى الدولار خارج دائرة الإنتاج والدواء والغذاء ومدخلات العمل، ازدادت الضغوط على الجنيه، وارتفعت كلفة الحياة على المواطن الذي لا يملك دولاراً واحداً، ولاعلاقة له بالدولار في تعاملاته البسيطة..
أنا لستُ خبيرا اقتصاديا ، ولكني بالضرورة أعلم أن الجنيه عندما يصبح الطلب على الدولار أكبر بكثير من قدرة الاقتصاد على توفيره، هذا فضلا عن أن والسودان اليوم يعاني أصلاً من ضعف شديد في الإنتاج والصادرات والموارد العامة بسبب الحرب وتدمير قطاعات واسعة من الاقتصاد.
هناك حقائق لا ننكرها وهي أن الدولار ضرورة لا غنى عنها للاقتصاد ، لكن فقط عندما يذهب إلى ما تحتاجه البلاد فعلاً مثل ، الدواء، المعدات الطبية، الغذاء الذي لا يمكن إنتاجه محلياً، الآلات، قطع الغيار، مدخلات الزراعة والصناعة، والطاقة وغيرها من مستلزمات الإنتاج.
لكن المشكلة تكمن في تزايد طلب الدولار بكميات كبيرة لأغراض لا تضيف شيئاً إلى القدرة الإنتاجية للاقتصاد.
(3)
هناك شركات ورجال أعمال وأفراد يحتاجون الدولار لاستيراد سلع كمالية، وهناك من يشتري الدولار باعتباره وسيلة لحفظ الثروة من تآكل الجنيه، وهناك من يحول أموالاً إلى أسر تقيم في الخارج أو لتمويل الدراسة والعلاج والاستثمارات والمصروفات خارج البلاد.
وهذه الاستخدامات ليست كلها غير مشروعة أو غير مبررة؛ فالدراسة والعلاج وإعالة الأسرة في الخارج احتياجات حقيقية. لكن السؤال الذي يثور بقوة : ما حجم الدولار الذي يخرج من الاقتصاد ولا يعود إليه في صورة إنتاج أو صادرات أو استثمار؟ ذلك هو السؤال الذي يجيب عنه وزير المالية ومحافظ بنك السودان وخبراء الاقتصاد.
ما أراه – بكل أسف – أن الوطن أصبح عند البعض مجرد محطة للحصول على الدولار فقط، لايهمه ولو احترق بمن فيه،
الأخطر من ذلك أن تتشكل لدى بعض دوائر رأس المال عقلية اقتصادية يصبح فيها السودان مجرد مكان لتجميع الجنيهات وتحويلها إلى دولارات، ثم إخراجها إلى الخارج، تُنتج الشركة أو التاجر أو المستثمر إيراداتها داخل السودان، ثم تسعى إلى تحويل أكبر قدر ممكن منها إلى عملة صعبة، ليس بالضرورة لشراء آلة أو إقامة مصنع أو استيراد مدخل إنتاج، وإنما أحياناً لتأمين ثروته أو تمويل حياة أسرته في الخارج أو شراء أصول واستثمارات خارج البلاد…وفي هذه الحالة يتحول الاقتصاد إلى معركة صامتة..الجنيه يعمل داخل السودان، والدولار يُهرّب القيمة إلى الخارج. وكلما ازداد الإقبال على الدولار، ارتفع سعره أمام الجنيه. وكلما ارتفع الدولار، ارتفعت تكلفة السلع المستوردة. ثم ينتقل الأثر إلى السلع المحلية أيضاً، لأن المنتج السوداني نفسه يحتاج إلى الوقود وقطع الغيار والنقل ومدخلات إنتاج قد يكون جزء منها مستورداً.. والثمن يدفعه شقي الحال اب جبة مقدودة من الخلف وبها ستمائة رقعة..
(4)
وفي مثل هذه الظروف السيئة التي يقاتل فيها الجميه من اجل البقاء بآخر الأنفاس تجد من يجرو على التفكير في استيراد الكريمات ولعب الأطفال..صحيح أن هذه السلع ليست هي المشكلة.. لكن الأولويات هي المشكلة
قد يبدو الحديث عن الكريمات أو لعب الأطفال أو بعض السلع الكمالية بسيطاً أمام حجم الكارثة الاقتصادية، لكنه في الحقيقة يفرض سؤالا منطقيا: هل اقتصاد يعيش حرباً وانهياراً إنتاجياً يستطيع أن يعامل كل الواردات بالطريقة نفسها؟
الدولة التي تعاني شح العملة الأجنبية لا تستطيع أن تتعامل مع الدولار المخصص لاستيراد دواء منقذ للحياة بالطريقة نفسها التي تتعامل بها مع دولار مخصص لسلعة يمكن إنتاج بديل محلي لها أو الاستغناء عنها مؤقتاً.
المسألة ليست في منع الناس من الاستهلاك، وإنما في ترتيب الأولويات.
عندما يكون الدولار شحيحاً، ينبغي أن تكون الأولوية للإنتاج، ثم الدواء والغذاء ومدخلات الزراعة والصناعة والطاقة والمعدات، ثم تأتي السلع الأقل ضرورة وفق قدرة الاقتصاد على توفير النقد الأجنبي.
أما أن نستورد ما يمكن الاستغناء عنه بينما نعاني نقص الدولار لاستيراد ما نحتاجه للإنتاج، فهذه ليست مشكلة عملة فقط إنها مشكلة ترتيب أولويات اقتصادية، هذه مسؤولية الدولة.
(5)
ليس الحل في مطاردة المواطنين بحثاً عن الدولارات، ولا في إصدار قرارات إدارية تمنع كل تحويل إلى الخارج. الحل يبدأ من تقليل الحاجة إلى الدولار من أساسها، لكن كيف؟
أولاً: إنتاج ما يمكن إنتاجه محلياً.
كل سلعة ينتجها السودان بدلاً من استيرادها تعني دولاراً لم يُطلب من السوق.
ثانياً: توجيه وتوظيف الاستيراد نحو الإنتاج.
الدولار الذي يشتري جراراً زراعياً، أو مصنعاً، أو معدات، أو أسمدة، أو قطع غيار، أو مواد خام، يمكن أن يعود على الاقتصاد في صورة إنتاج ودخل وفرص عمل وربما صادرات.
أما الدولار الذي يذهب إلى سلعة استهلاكية لا تضيف قدرة إنتاجية، فيخرج وينتهي أثره الاقتصادي سريعاً.
ثالثاً: حماية الدواء ومدخلات الإنتاج.
يجب أن تكون هناك أولوية واضحة ومعلنة للنقد الأجنبي المخصص للدواء والمستلزمات الطبية ومدخلات الزراعة والصناعة والطاقة، بدلاً من ترك الأولويات تحددها القدرة على دفع السعر الأعلى للدولار.
رابعاً: إعادة بناء الصادرات.
لا يمكن أن يستقر الجنيه بينما يستمر الاقتصاد في طلب الدولار أكثر مما يجلبه من الخارج .
والسودان يملك موارد يمكن أن تكون مصدراً للعملة الصعبة، وفي مقدمتها الزراعة والثروة الحيوانية والذهب وغيرها. لكن المطلوب هو أن تدخل حصائل الصادرات في الدورة الاقتصادية الرسمية، وأن تتحول الموارد إلى إنتاج وقيمة مضافة وصادرات مستدامة، لا إلى مجرد مورد مؤقت للعملة الأجنبية.
وتظهر بيانات التجارة المنشورة عبر البنك الدولي اختلالاً واضحاً بين قيمة الواردات والصادرات في السنوات الأخيرة، وهو ما يوضح حجم المشكلة الهيكلية التي تواجه الاقتصاد السوداني.
خامساً: استعادة الثقة في الجنيه.
فالمواطن الذي يخشى أن يفقد الجنيه قيمته سيحاول تحويل مدخراته إلى دولار. والتاجر الذي يخشى ارتفاع الدولار سيرفع أسعار سلعته مسبقاً. والمستثمر الذي لا يثق في استقرار السوق سيبحث عن ملاذ آخر.
وهكذا يتحول الخوف من انهيار العملة إلى أحد أسباب استمرار الضغط عليها.
(6)
استقرار الجنيه لا يصنعه القرار الإداري وحده، وإنما تصنعه زيادة الإنتاج، وضبط المالية العامة، واستقرار النظام المصرفي، وتوحيد وتنظيم سوق الصرف، وزيادة الصادرات، واستعادة الثقة، المطلوب ليس حرباً على الدولار
الدولار ليس عدواً للسودان، بل إن الاقتصاد السوداني يحتاج إلى الدولار، كما تحتاج إليه أي دولة تستورد التكنولوجيا والمعدات والدواء وبعض احتياجاتها الأساسية.
المشكلة ليست في الدولار؛ المشكلة في اقتصاد يحتاج إلى الدولار أكثر مما ينتج من الدولارات.
والمشكلة الأكبر أن يتحول الدولار من أداة للتجارة والإنتاج إلى أداة لتخزين الثروة والهروب بها من الاقتصاد.
التحدي الحقيقي في تقديري هو كيف نجعل السوداني لا يحتاج إلى الدولار إلا عندما يكون هناك سبب اقتصادي حقيقي يستحق أن يخرج من أجله الدولار؟
عندها فقط يمكن أن تتغير المعادلة.
ننتج أكثر، فنستورد أقل.
نستورد أقل، فنطلب دولارات أقل.
نطلب دولارات أقل، فيخف الضغط على الجنيه.
ونبيع للخارج أكثر، فتدخل دولارات جديدة إلى الاقتصاد.
وعندها لا يعود الجنيه مجرد ورقة تتراجع أمام الدولار كل صباح، وإنما يصبح جزءاً من اقتصاد ينتج ويصدر ويخلق القيمة…إنقاذ الجنيه لا يبدأ من سعر الدولار.. وإنما من تقليل الأسباب التي تجعلنا نحتاج إلى الدولار…اللهم هذا قسمي فيما أملك..
نبضة أخيرة:
ضع نفسك دائما في الموضع الذي تحب ان يراك فيه الله وثق إنه يراك في كل حين.







إرسال تعليق