المواطنة… حين تصبح الدولة جديرة بثقة مواطنيها

  • بتاريخ : 19 سبتمبر، 2026 - 8:39 ص
  • الزيارات : 26
  • بقلم: م. م. الإمام عبداللطيف الإمام

    لماذا يثق بعض المواطنين في القبيلة أو المنطقة أو الجماعة الاجتماعية أكثر مما يثقون في الدولة؟
    قد تبدو الإجابة سهلة: لأن المواطن ما زال أسير ولاءاته التقليدية.
    لكن السؤال الأدق هو: *هل أعطت الدولة المواطن ما يكفي من الأسباب لكي يثق بها؟*

    فالإنسان لا يولد منحازاً إلى قبيلته ضد وطنه.
    عندما يجد دولة تحميه بالقانون، وتصون كرامته، وتساوي بينه وبين غيره، وتوفر له فرصاً عادلة، يصبح انتماؤه الوطني أقوى.
    أما عندما يشعر أن القانون لا يحمي الجميع، وأن الفرص مرتبطة بالواسطة أو النفوذ، فمن الطبيعي أن يبحث عن الأمان في الدائرة الأقرب إليه: أسرته، وقبيلته، ومنطقته.

    ومن هنا فإن *ضعف الثقة في الدولة ليس دائماً عيباً في المواطن، بل نتيجة لإخفاق مؤسسي*.
    المواطنة ليست شعاراً يُرفع فوق المباني الحكومية، ولا مطالبة بالولاء دون مقابل.
    إنها *علاقة متبادلة*: على المواطن واجبات، وللدولة مسؤوليات: الأمن، والعدل، والتعليم، والصحة، وحماية الحقوق، وتكافؤ الفرص، والمشاركة في الشأن العام.

    وعندما يختل هذا التوازن، تتحول المواطنة من شراكة إلى رعاية أو إخضاع. تقدم الدولة بعض الخدمات وتطلب الطاعة. وهنا لا يعود المواطن شريكاً، وإنما مستفيداً ينتظر ما تمنحه السلطة. وهذه إحدى مشكلاتنا في السودان. امتلكت الدولة أجهزة قوية في السلطة والضبط، لكنها لم تكن بالقوة نفسها في سيادة القانون، والمساءلة، والعدالة، وحسن الإدارة. وتوسعت البيروقراطية، بينما ظلت الكفاءة وتكافؤ الفرص قضايا معلقة.

    وعندما يشعر المواطن أن الدولة تراه من خلال قبيلته أو منطقته أو انتمائه السياسي، فإنه يبدأ هو أيضاً في النظر إلى الدولة بالطريقة نفسها.

    وهنا يجب أن نقلب المعادلة. *نحن لا نحتاج إلى سوداني يتخلى عن قبيلته أو ثقافته حتى يصبح وطنياً*. هذه الانتماءات جزء من تركيبة المجتمع السوداني. المشكلة ليست في وجودها، وإنما في أن تتحول إلى وسيلة للتمييز، أو احتكار للسلطة، أو استحواذ على الموارد، أو امتيازات خارج القانون.

    *المطلوب ليس إلغاء القبيلة، وإنما إلغاء امتيازها أمام القانون.*
    وليس محاربة التنوع، وإنما منع التنوع من أن يتحول إلى سبب للانقسام. الدولة العادلة هي التي تجعل كل هذه الانتماءات تعيش داخل مظلة وطنية واحدة.

    ابن دارفور، وابن كردفان، وابن الشرق، وابن الشمال، وابن الوسط، وابن الخرطوم، وكل أبناء السودان، يجب أن يشعروا بأنهم *مواطنون متساوون في الحقوق والواجبات*. وهنا تصبح *المساواة أمام القانون حجر الأساس في بناء المواطنة*. فإذا كان ابن المسؤول وابن المواطن البسيط متساويين أمام القضاء، وإذا كانت الوظيفة العامة تُمنح للكفاءة لا للواسطة، وإذا توزعت التنمية وفق الحاجة لا النفوذ، وإذا حوسب المسؤول كما يحاسب المواطن، فإن الدولة تبدأ في استعادة أهم ما فقدته: *الثقة*.

    *والثقة لا تُبنى بالخطب*. يبنيها المواطن في حياته اليومية؛ عندما يدخل المحكمة وهو مطمئن أن القاضي يعرف القانون لا القبيلة. وعندما يتقدم لوظيفة عامة ويعلم أن الكفاءة هي المعيار. وعندما يذهب إلى المستشفى فيجد خدمة محترمة، وإلى المدرسة فيجد أبناءه يتعلمون في بيئة تحفظ كرامتهم.

    وهنا تأتي أهمية إعادة بناء السودان بعد الحرب. الإعمار لا يعني فقط الطرق والجسور والمستشفيات، وإنما *إعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة*. نحتاج إلى *دولة مؤسسات، لا دولة أشخاص*؛ وإلى خدمة مدنية تقوم على الكفاءة والمهنية؛ وإلى قضاء مستقل، وقانون يسري على الجميع.

    ويأتي التعليم في مقدمة أدوات بناء المواطنة. فالمدرسة لا تعلم الطفل الحفظ فقط، وإنما كيف يحترم القانون، ويقبل الاختلاف، ويحترم الآخر. إذا تعلم أن المختلف عنه تهديد، كبر وهو يرى التنوع مصدر خوف. أما إذا تعلم أن الاختلاف طبيعي، وأن الناس يتعايشون تحت قانون واحد، صار التنوع مصدر قوة.

    والسودان في حاجة لهذا النوع من التربية أكثر من أي وقت. لقد دفعنا ثمناً باهظاً بسبب الصراعات. ولذلك فإن *بناء الدولة بعد الحرب يجب أن يكون فرصة لإعادة صياغة العلاقة بين المواطن والوطن*، لا عودة لما قبل الحرب.

    *نحن بحاجة إلى أن ننتقل من دولة تطلب من المواطن أن يثق بها، إلى دولة تكسب ثقته كل يوم.*

    المواطن لا يتخلى عن حماية جماعته الصغيرة لمجرد خطاب رسمي؛ وإنما يفعل ذلك عندما يجد في الدولة حماية أعدل وأوسع، وصوتاً مسموعاً، وفرصاً متكافئة، وكرامة مصانة. وعندها لن يحتاج أن يختار بين قبيلته ووطنه، أو بين منطقته ودولته.

    سيبقى لكل سوداني جذوره وانتماءاته، *ولكن فوقها جميعاً سيبقى الانتماء الأكبر: السودان.*

    الوطنية الحقيقية لا تُفرض ولا تُقاس بالأعلام والشعارات. تُبنى عندما يشعر الإنسان أن هذا الوطن وطنه فعلاً، وأن كرامته فيه مصانة، وحقوقه محفوظة.
    *الوطنية أن ندرك أن اختلافنا في القبيلة أو المنطقة أو الرأي لا يلغي أننا شركاء في أرض واحدة، وتاريخ واحد، ومستقبل واحد.*

    وإذا كانت القبيلة تمنح الإنسان جذوره، فإن الوطن يمنحه المظلة التي تجمع تلك الجذور. وإذا كانت الانتماءات الصغيرة تمنحنا هويتنا الاجتماعية، فإن الوطنية تمنحها معنى أوسع: أن تكون جزءاً من السودان.

    ولهذا فإن بناء السودان بعد الحرب لا يقتصر على إعادة بناء مؤسسات الدولة، وإنما يجب أن يعيد بناء *الإنسان السوداني الواثق في وطنه*، المعتز بانتمائه، والمستعد لأن يضع مصلحته الخاصة تحت مصلحة الوطن.

    نريد وطنية تعني *أن يكون السودان أولاً*؛ وأن تكون مصلحته فوق المصالح الحزبية والقبلية والجهوية، وأن نختلف في الرأي دون أن نختلف على الوطن.

    *فالسودان لا يحتاج إلى مواطن يردد أنه وطني، بقدر ما يحتاج إلى مواطن يمارس وطنيته* في عمله، وفي أمانته، وفي احترامه للقانون، وفي حرصه على المال العام، وفي تعامله مع أخيه السوداني.

    *وعندما تصبح المواطنة عدلاً، والدولة جديرة بالثقة، والوطنية سلوكاً يومياً لا شعاراً موسمياً، عندها نبني سوداناً لا تتنافس فيه المكونات على الوطن، بل تتنافس *في خدمته*.

    *فالوطنية الحقيقية ليست أن نقول: السودان لنا؛ وإنما أن نتصرف كل يوم بما يثبت أننا للسودان.