حين تتداخل مسؤولية المنصب مع امتدادات القوة والنفوذ
بقلم / د. مختار بشراب
“كاتب وباحث في الإدارة والهندسة الإستراتيجية للموارد البشرية والتحول المؤسسى”
في الأوطان التي أنهكتها الحروب، لا يكون الوصول إلى السلطة هو الامتحان الأصعب.
الامتحان الحقيقي يبدأ بعد الوصول إليها.
عندما يجد المسؤول نفسه أمام دولة أنهكتها الحرب، ومؤسسات تراجعت قدرتها، ومواطن يبحث عن الأمن والخدمة والطمأنينة.
في هذه اللحظة يصبح المنصب العام مسؤولية أخلاقية قبل أن يكون موقعاً سياسياً.
فالوزير لا يأتي إلى الوزارة ليحمل معه جماعته، ولا ليعيد إنتاج نفوذها داخل المؤسسة.
إنما يأتي ليصبح جزءاً من دولة يفترض أن تكون أكبر من الجميع.
عندما تتداخل الدولة مع الجماعة
الدولة تقوم على المؤسسة، والجماعة تقوم، في كثير من الأحيان، على الولاء.
الدولة تحتكم إلى القانون، أما النفوذ خارجها فيعتمد على العلاقات والحشد والقدرة على التأثير.
ولهذا تصبح المسألة شديدة الحساسية عندما يحتفظ المسؤول، إلى جانب موقعه الرسمي، بامتدادات قوة مستقلة عن المؤسسة.
قد تكون سياسية، وقد تكون اجتماعية، وقد تكون قبلية، وقد تكون عسكرية.
المشكلة ليست في خلفية المسؤول، ولا في تاريخه، ولا في الجماعة التي جاء منها.
المشكلة تبدأ عندما تنتقل قواعد الجماعة إلى داخل قواعد الدولة.
من الميدان إلى المكتب
قد يكون الانتقال من الصراع إلى مؤسسات الحكم جزءاً من طريق السلام.
وهذا أمر يمكن فهم دوافعه السياسية، لكن الانتقال الحقيقي لا يكون بتغيير المكان فقط.
الانتقال الحقيقي هو تغيير القواعد، فمن كان يعمل بمنطق الحركة، عليه عندما يدخل الدولة أن يتعامل بمنطق المؤسسة.
ومن كان يقود جماعة، عليه عندما يتولى منصباً عاماً أن يصبح مسؤولاً عن الجميع.
وإلا فإننا لا نكون قد أغلقنا صفحة قديمة، بل نكون قد نقلناها من الميدان إلى المكتب.
حين يصبح المنصب سنداً للنفوذ
الوزارة تمنح صاحبها سلطة قانونية، لكن امتلاك نفوذ مستقل عن الوزارة يخلق سلطة أخرى… وحين تجتمع السلطتان، يصبح ميزان القوة مختلفاً.
الدولة الطبيعية تستطيع تغيير وزير، وتستمر المؤسسة. أما عندما يرتبط المنصب بشبكة قوة واسعة، فإن مغادرة المسؤول قد تصبح أكثر تعقيداً…. وهنا يجب أن نتوقف. لأن السؤال لم يعد متعلقاً بالوزير وحده.
بل بقدرة الدولة على أن تجعل المؤسسة أقوى من الشخص.
وأين تقف المساءلة؟
هنا تظهر كلمة أساسية في أي دولة حديثة: المساءلة.. ‘(Accountability) فالمساءلة لا تعني تصفية الحسابات…ولا تعني استهداف المسؤول بسبب مواقفه أو خلفيته.
المساءلة تعني ببساطة أن كل من يتولى سلطة عامة يجب أن يكون مسؤولاً عن قراراته أمام القانون والمؤسسات المختصة.
لا يوجد منصب فوق المساءلة… ولا نفوذ ينبغي أن يحول دونها…ولا تاريخ سياسي أو عسكري يجب أن يصبح حصانة دائمة من السؤال والمراجعة.
المسؤولية العامة تعني أن يعرف صاحب القرار أنه لا يملك السلطة لنفسه، إنما يمارسها نيابة عن الدولة والمواطنين.
وحين تغيب المساءلة، يبدأ الخلل بالتوسع… وليس بالضرورة في صورة فساد واضح.
قد يبدأ بمجرد شعور بأن بعض الأشخاص يمكن أن تكون لهم قواعد مختلفة… وهنا تبدأ المؤسسة في فقدان هيبتها.
احترام أنظمة الخدمة المدنية
ومن هنا تأتي أهمية أمر قد يبدو إدارياً، لكنه في الحقيقة سياسي ومؤسسي بامتياز:
احترام أنظمة الخدمة المدنية.
فالوظيفة العامة ليست امتداداً للولاء السياسي، وليست مكافأة للأصدقاء، وليست وسيلة لتثبيت نفوذ الجماعات.
إنها نظام له شروطه وله معاييره وله تسلسل وظيفي وله حقوق وواجبات.
وله إجراءات للتعيين والترقية والمساءلة وإنهاء الخدمة.
وحين تُحترم هذه القواعد، يصبح الموظف تابعاً للمؤسسة.
أما عندما تتراجع القواعد أمام الولاءات، يصبح الموظف مضطراً إلى أن يسأل نفسه:
لمن أنتمي؟ للمؤسسة؟ أم لمن يملك النفوذ داخلها؟
وهذا سؤال خطير.
لأن الخدمة المدنية لا تستطيع أن تعمل بكفاءة عندما يصبح الولاء الشخصي بديلاً عن الانتماء المؤسسي.
ولهذا فإن إعادة بناء الدولة بعد الحرب لا تحتاج فقط إلى إعادة بناء المباني والوزارات.
إنها تحتاج إلى إعادة بناء قواعد العمل داخلها.
وأين تذهب موارد الدولة؟
هناك سؤال آخر لا يمكن تأجيله:
أين تذهب موارد الدولة؟
هذا السؤال لا يعني اتهام مؤسسة، ولا يعني إصدار حكم على مسؤول.
إنه سؤال طبيعي في بلد أنهكته الحرب، وتراجعت فيه الخدمات، واتسعت فيه حاجات المواطنين.
عندما تكون الموارد محدودة، تصبح الأولويات قضية عامة.
من يحددها؟ من يراجعها؟ ومن يراقبها؟
وكيف يعرف المواطن أن المال العام يذهب إلى الأولويات التي يحتاج إليها المجتمع؟
وكيف نتأكد من أن الإنفاق العام لا يتأثر بموازين النفوذ؟
هذه ليست أسئلة تشكيك، إنها أسئلة حوكمة.
وتزداد أهميتها في بيئة حرب طويلة، حيث يمكن للموارد الاقتصادية والسيطرة على طرق التجارة والأراضي والسلع أن تتداخل مع استمرار الصراع. وقد أشارت تقارير الأمم المتحدة في 2026 إلى أن الاقتصاد المرتبط بالحرب والسيطرة على الموارد ومصادر الإيرادات يمثل عاملاً مهماً في استمرار النزاع السوداني.
ولهذا فإن حماية المال العام ليست قضية مالية فقط.. إنها جزء من حماية الدولة.
الشفافية تحمي الجميع
عندما تكون الموارد واضحة، تقل مساحة الشك. وعندما تكون القرارات موثقة، تصبح المساءلة ممكنة. وعندما تكون الرقابة فعالة، لا يحتاج المواطن إلى تفسير كل شيء من خلال الشائعات.
فالشفافية ليست سلاحاً ضد المسؤول…بل حماية للمسؤول النزيه…وحماية للمؤسسة.. وحماية للمواطن.
ولذلك فإن وجود أجهزة رقابة فعالة، ومراجعة مالية مستقلة، وقواعد واضحة للإنفاق العام، ليس ترفاً إدارياً. إنه أحد شروط بقاء الدولة.
أخطر ما في الظاهرة أنها تصبح نموذجاً
قد نختلف حول شخص… وقد نختلف حول جماعة، لكن القضية الأهم هي النموذج الذي يمكن أن يتكرر.
فإذا أصبح من الطبيعي أن يدخل المسؤول إلى الوزارة ومعه نفوذ خاص، فقد يتحول الأمر مع الوقت إلى قاعدة.
اليوم باسم حركة.. وغداً باسم حزب.
وفي مرحلة أخرى باسم قبيلة أو منطقة أو شبكة مصالح…وبالتدريج تتحول الدولة إلى مجموعة من مراكز النفوذ.
وهنا لا تكون المشكلة في عدد الأشخاص.
بل في تراجع مركزية المؤسسة.
وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى استمرار الانتهاكات واتساع الحاجة إلى المساءلة وتعزيز سيادة القانون في السودان.
حين تتحول الوزارة إلى حصن
أخطر لحظة ليست عندما يظهر السلاح.
أخطر لحظة هي عندما يصبح النفوذ غير الرسمي جزءاً من ممارسة السلطة الرسمية. عندها قد تتأثر التعيينات بالولاءات.
وقد تتحرك الموارد داخل شبكات النفوذ. وقد يصبح القرار العام محكوماً بالتوازنات أكثر من محكوميته بالقواعد المؤسسية.
وهنا لا تعود الوزارة مجرد جهاز إداري. قد تتحول، بصورة تدريجية، إلى حصن سياسي… المبنى حكومي…والمنصب رسمي.
لكن النفوذ المحيط به قد يكون أكبر من حدود الوظيفة نفسها.
السلام الذي لا يعيد بناء الدولة
السلام ليس مجرد توقف للنار. وليس مجرد توزيع للمواقع. وليس مجرد انتقال قادة الأمس إلى مكاتب اليوم… السلام الحقيقي يعيد بناء العلاقة بين المواطن والدولة… ويعيد بناء المؤسسة… ويجعل القانون مرجع الجميع… ويضع المال العام تحت قواعد واضحة… ويجعل الخدمة المدنية قائمة على الكفاءة واللوائح، ويجعل المساءلة أمراً طبيعياً لا استثنائياً.
أما إذا انتهت الحرب فقط إلى إعادة توزيع النفوذ، فقد تتغير الوجوه، وتبقى الأزمة في مكانها.
الدولة تحتاج إلى مرجعية واحدة
ليس المقصود مرجعية سياسية واحدة… ولا حزباً واحداً… ولا رأياً واحداً.
المقصود مرجعية مؤسسية واحدة.
بحيث تكون الدولة هي الإطار الذي يحتكم إليه الجميع… وتكون الخدمة المدنية خاضعة لنظمها، وتكون الموارد العامة خاضعة للرقابة، وتكون المساءلة قاعدة لا استثناء، وتكون القوة المسلحة محكومة بالمؤسسات والقانون.
هذه هي الطريقة التي تستعيد بها الدولة معناها.
السؤال الذي ينبغي أن يظل مفتوحاً
لا نحتاج دائماً إلى اتهام أحد حتى نطرح الأسئلة الصحيحة.
يكفي أن نسأل: من يحمي المؤسسة؟ من يراقب القرار؟ من يراقب الموارد؟ من يضمن احترام أنظمة الخدمة المدنية؟ من يضمن المساءلة؟ ومن يضمن أن يبقى الوزير وزيراً للدولة، لا ممثلاً لقوة تقف خلفه؟
هذه الأسئلة لا تستهدف شخصاً، إنها تستهدف فكرة أخطر:
ماذا يحدث عندما تصبح الدولة أضعف من مراكز النفوذ التي تعمل داخلها أو حولها؟
الوطن أولاً
السودان الذي أنهكته الحرب يحتاج إلى استعادة مؤسساته قبل أي شيء، ويحتاج إلى أن يشعر المواطن بأن الدولة موجودة من أجله، لا من أجل جماعة، ولا من أجل مسؤول، ولا من أجل شبكة مصالح.
ولهذا فإن إعادة البناء لا تعني فقط إصلاح الطرق والمباني والوزارات.
بل تعني إعادة بناء الثقة في الدولة.
وهذه الثقة لا تأتي بالكلام… تأتي عندما يرى المواطن أن القانون يسري على الجميع.
وأن الوظيفة العامة تحكمها القواعد، وأن المال العام يخضع للرقابة، وأن المسؤول يخضع للمساءلة، وأن مغادرة المنصب لا تعني نهاية الدولة.
فالوزير يذهب… والحكومة تتغير…والتحالفات السياسية تتبدل.
لكن المؤسسة يجب أن تبقى.
والموارد يجب أن تبقى ملكاً للشعب، والدولة يجب أن تبقى أكبر من الجميع.
فحين تصبح المؤسسة قوية، لا يحتاج المسؤول إلى قوة تحميه.
وحين تصبح المساءلة قاعدة، لا يصبح النفوذ بديلاً عن القانون.
وحين تحترم الدولة أنظمتها، يصبح الوطن أكبر من كل مراكز النفوذ.







إرسال تعليق