إن أريد إلا الإصلاح!|| محجوب مدني محجوب
فقه الإصلاح!
إن التوازن هو السمة البارزة في ديننا الإسلامي الحنيف، فما من جانب إلا وأعطاه حقه بلا زيادة ولا نقصان.
حمل ديننا الحنيف كل مجال من مجالات الحياة أهميته بحيث لا يطغى مجال على مجال صغيرها وكبيرها.
فللفرد مكانته المتفردة في تعاليم الإسلام من تزكية له، ومن صلاة ومن صدقة تبارك في ماله، ومن بر لوالديه، ومن إخلاص في عمله.
وللجماعة كذلك مكانتها المتميزة في تعاليم الإسلام لا تقل عن مكانة الفرد، فيد الله مع الجماعة،
يقول رسولنا الكريم:
“الراكب شيطان والراكبان شيطانان والثلاثة ركب”
للغني في الإسلام عزوته في صدقته، وللفقير عزوته في عفته.
للصحيح عزوته في طاعته، وللمريض عزوته في صبره واحتسابه.
ولليتيم مكانته في المجتمع:
عن أَبي هريرة قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ: كَافِل الْيتيمِ -لَهُ أَوْ لِغَيرِهِ- أَنَا وهُوَ كهَاتَيْنِ في الجَنَّةِ وَأَشَارَ الرَّاوي -وهُو مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ- بِالسَّبَّابةِ والْوُسْطى رواه مسلم.
ومن له ابوان فرغمت أنفه إن لم يدخل بهما الجنة.
فالشاهد أن تعاليم الإسلام غطت على جميع مناحي الحياة دقها وجلها.
إلا أن الإصلاح رغم ذلك وسط هذه المجتمعات المسلمة تقزم غاية التقزيم، ولم يعد يشمل سوى الأفراد.
أما اجتماع الكلمة ووحدة الصف، وتوجيه المسؤولين لمخافة الله، فاصبحت شبه معدومة.
ولعل تقليص دور الإصلاح، وحصره في الفرد دون الجماعة له عدة أسباب منها:
* الاضطهاد والكبت التي تعاني منه المجتمعات المسلمة من قبل حكامها.
* غياب الأنظمة ذات المؤسسات، واستعاضتها بكيانات تخدم وتعزز السلطة القائمة.
* ابتعاد المنهج الديني الذي يعظم العمل العام، ويجرم التعدي على الحقوق، واستبداله بمنهج ديني سطحي يعظم من شأن الحاكم لا من شأن النظام.
كل هذه الأسباب قلصت من الإصلاح، وحصرته في مخاطبة الفرد.
هذا الفرد المغلوب على أمره، فإن ذهب إلى المسجد هدد بدخول النار إن لم يقم بواجبه .
وإن اعترض على الظلم وطالب بالحقوق رفعت عليه عصا شق الصف.
فاختصر من ينتسبون لهذا الدين رشدهم وتوجيههم إلى الأفراد يعلومنهم صلاتهم وصيامهم وحجهم وزكاتهم.
اما ما يتعلق بشأن الحاكم،وبشأن العمل العام،فتركوه للظروف تغيره متى شاءت وكيف شاءت.
هذا إن لم يعملوا على مساندة وتقوية سلطة الحاكم؛ ليجعلوا ما يقوم به فهو الصواب، وما يعجز عنه أو يعتدي عليه، فهو خارج دائرة اهتمامهم.
وهكذا نشأت المجتمعات المسلمة تعيش بعين واحدة تنظر بها.
هذه العين الواحدة لا تخرج من محيط الأسرة إلى أن يينتهي بها القبر.
اما العين الثانية فلها أحد حلين:
إما أن تقوي وتجمل كل ما هو قائم، وبأنه هو الحق بعينه.
أو تطمس هذه العين الثانية، فلا ترى شيئا، وتجعل كل ما يسير بالبلد إلى الهلاك.
إن هذه الحالة التي يعيش بها الوعي المجتمعي المسلم بعين واحدة ليس سببها الحاكم فقط، وإن كان لهذا الحاكم نصيب الأسد في تغلغلها في المجتمعات المسلمة.
إن من ينادي بتعاليم الإسلام يعمل كذلك على تكريس هذه الحالة.
فقد لعب هؤلاء دورا سواء بجهلهم أو بتواطئهم أو بسبب غياب قدوات ذات شأن يقتفون أثرها في ترقية وتزكية ما يسمى بالدولة في العصر الحديث.
ذلك من أجل إن تقف حالة الشأن العام جنبا إلى جنب مع ترقية وتزكية الفرد.
إن الحالة التي تنظر بعين واحدة للإصلاح بحيث تنظر بها للفرد فقط تحتاج لثورة في عمل الإصلاح.
ثورة تبرز بأن العمل العام لا يقل أهمية وخطورة في بناء المجتمعات عن عمل الفرد.
ثورة ترجع لأصلها أكثر مما تتيه في متاهات العالم.
ثورة تضع أمامها الجيل الأول من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ذلك الجيل الذي أعمر الأرض.
كان إعمار الأرض عندهم ظاهرا وواضحا في أيديهم لا في قلوبهم.
ذلك الجيل الذي كان لا يخشى في الحق لومة لائم.
ذلك الجيل الذي عرف العالم ماذا تعني المدنية.
أدرك ذلك الجيل ماذا يعني أن يكلف شخص بمسؤولية مرفق من مرافق الدولة.
فإن قال قائل بأن جيل الصحابة رضوان الله عليهم لم ولن يتكرر،، فالسؤال الملح هنا هو:
لماذا إذن خلقنا الله، وجعل لنا حياة بعد حياة الصحابة رضوان الله عليهم؟
هل خلقنا عبثا؟
قطعا لا
هل خلقنا؛ لنفسد في الأرض؟
قطعا لا.
بل خلقنا لذات الغاية التي خلق من أجلها الصحابة رضوان الله عليهم، فإن فلحنا لأنفسنا، وإلا فلا نلوم إلا أنفسنا.







إرسال تعليق