محمد شمس الدين والاتهام الأخطر
“صمود يدها ملطخة بالدماء”
بقلم /السفير الصادق المقلي
“كاتب ودبلوماسي سوداني”
أما على شاشة «الحدث»، فقد ذهب محمد شمس الدين، من القاهرة، إلى ما هو أبعد من الاختلاف السياسي.
فقد جزم، بحسب ما ورد في حديثه، بأن الشارع السوداني رفض تحالف «صمود»، ثم أطلق اتهامًا بالغ الخطورة عندما وصف قيادات «صمود» بأن «أيديهم ملطخة بالدماء»، وربطهم بمناصرة التمرد والشراكة في جرائمه.
ثم أضاف أن الشعب السوداني فوّض الجيش في هذه الحرب.
وهنا، مرة أخرى، لدينا مستويان مختلفان تمامًا.
أن تقول:
أنا ضد «صمود».
هذا موقف سياسي.
أن تقول:
أرى أن «صمود» أخطأت أو فشلت أو لا تمثل قطاعًا من السودانيين.
هذا أيضًا رأي سياسي قابل للنقاش.
لكن أن تقول إن «أيدي قياداتها ملطخة بالدماء»، فهنا انتقلت من السياسة إلى اتهام ذي طبيعة جنائية.
وهنا لا يكفي الكلام على شاشة التلفزيون.
أين الدليل؟
عندما تقول إن شخصًا «يداه ملطختان بالدماء»، فأنا أسألك:
أي دماء؟من قتل؟
متى؟أين؟كيف؟
ما الواقعة المحددة؟
ما الدليل؟
هل هناك تحقيق؟
هل هناك ملف قضائي؟
هل هناك حكم قضائي؟
هل هناك وثيقة تثبت المشاركة المباشرة أو التحريض أو التمويل أو التسهيل أو التواطؤ؟
هذه ليست أسئلة دفاعًا عن «صمود».
وأكررها حتى لا يزايد علينا أحد:
أنا لا تربطني بـ«صمود» علاقة مؤسسية، ولا أكتب هنا دفاعًا تنظيميًا عنها.
أنا أدافع عن قاعدة بسيطة:
الاتهام الجنائي يحتاج إلى دليل.
ولا يجوز أن تتحول المنابر الإعلامية إلى محاكم تصدر الأحكام على الهواء.
المفارقة في دعوة البرهان لـ«صمود»
وهنا أختلف أيضًا مع الرأي الذي يرى أن دعوة البرهان لـ«صمود» إلى الحوار ينبغي أن تكون مشروطة أولًا بتقديم قياداتها للمحاكمة.
أنا لا أرى أن هذا هو الطريق الصحيح.
إذا كانت هناك اتهامات جنائية محددة ضد أي شخص، فلتفتح النيابة التحقيق، ولتُجمع الأدلة، وليُقدم من تثبت مسؤوليته إلى القضاء.
أما أن نقول:
نحن نتهم، ولذلك يجب أن يُحاكموا أولًا، ثم يمكن أن نتحدث معهم سياسيًا
فهذا يقلب القاعدة القانونية رأسًا على عقب.
الحوار السياسي لا يمنح حصانة لأحد، كما أن المشاركة في الحوار لا تعني البراءة من أي جريمة.
لكن الاتهام أيضًا لا يصبح حكمًا قضائيًا لمجرد أن مسؤولًا أو صحفيًا أو سياسيًا أطلقه.
الذاكرة السودانية لا ينبغي أن تكون انتقائية
ولأن الذاكرة السياسية السودانية أصبحت في زمن الحرب انتقائية بصورة مذهلة، فلنعد إلى بعض الوقائع.
في عام 2014، انتقد الإمام الصادق المهدي قوات الدعم السريع واتهمها بارتكاب انتهاكات، وطالب بمحاسبة المتورطين. وعلى خلفية هذه التصريحات، اتخذ جهاز الأمن إجراءات قانونية بحقه، ومثل أمام نيابة أمن الدولة. و بالمثل إبراهيم الشيخ كان مصيره السجن لانتقاده للدعم السريع.
والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم:
كيف يمكن لمن انتقد الدعم السريع في الأمس، ودفع ثمنًا سياسيًا وقانونيًا بسبب ذلك، أن يُقدَّم اليوم ببساطة باعتباره حليفًا له أو شريكًا في جرائمه، من دون تحديد واقعة محددة ودليل محدد؟
المواقف السياسية لا تثبت الجرائم، والاتهامات لا تثبت الجرائم أيضًا.
الذي يثبت الجريمة هو التحقيق والأدلة والقضاء.
الذاكرة الانتقائية والأرشيف
ولأن الذاكرة السياسية كثيرًا ما تكون انتقائية، فمن المفيد أيضًا أن نعود إلى الأرشيف.
ومن أرشيف تلك المرحلة مقال للكاتب الصحفي الصادق الرزيقي، نشر في 17 يوليو 2019، بعد سقوط نظام البشير، بعنوان:
«الحرية والتغيير تطالب بطرد الدعم السريع من الخرطوم والكيزان يعترضون.. هل تُوقَد نار الفتنة؟»
وفي ذلك المقال انتقد الرزيقي دعوة قوى إعلان الحرية والتغيير إلى ما سمته آنذاك «مليونية طرد الدعم السريع من الخرطوم»، وذهب إلى الدفاع عن وجود الدعم السريع داخل الخرطوم، ومقارنًا بين وجوده ووجود القوات النظامية الأخرى داخل المدن.
بل ختم ذلك الجزء من مقاله بتساؤل صريح:
«لماذا إذن الهجوم على الدعم السريع؟»
فالسياسي والكاتب من حقه أن يغيّر موقفه عندما تتغير الظروف والمعطيات.
لكن السؤال:
إذا كان من حق البعض أن يغيّر موقفه من الدعم السريع، فلماذا لا يكون من حق الآخرين أن تتغير مواقفهم؟
وإذا كانت مواقف الأمس لا تصلح وحدها للحكم على مواقف اليوم، فلماذا تُستدعى مواقف الأمس لبعض القوى فقط، بينما تُمحى مواقف قوى أخرى من الذاكرة؟
هذه هي القضية.
فالأرشيف لا يقول لنا بالضرورة من كان على صواب ومن كان على خطأ، لكنه يقول لنا شيئًا بالغ الأهمية:
أن المواقف السياسية من الدعم السريع لم تكن دائمًا بالصورة الأحادية التي يحاول البعض تقديمها اليوم.
ولذلك لا يجوز أن نعيد كتابة التاريخ السياسي السوداني وفق اصطفافات الحرب الحالية، ثم نوزع على الآخرين صكوك الوطنية والخيانة بناءً على النسخة الجديدة من التاريخ.
لا بد من معيار واحد للجميع
بل إن الأمر يتجاوز ذلك.
إذا كان المطلوب اليوم محاسبة كل من ارتبط بالدعم السريع، أو تحالف معه، أو غطى ممارساته، أو دافع عنه في مرحلة من المراحل، فليكن ذلك بمعيار واحد وعلى الجميع.
لا يجوز أن يكون الموقف من الدعم السريع جريمة عندما يصدر من خصم سياسي، ثم يصبح «موقفًا سياسيًا مشروعًا» عندما يصدر من حليف أو قريب أو صاحب مصلحة.
المحاسبة الحقيقية تكون بالوثائق والأدلة والتحقيقات والقضاء.
أما الانتقائية، فلن تنتج عدالة، وإنما ستنتج روايات متصارعة.
«صمود» ليست «تأسيس»
ومن المهم كذلك عدم الخلط بين «صمود» وبين المجموعة الأخرى التي انشقت عن «تقدم» تحت اسم «تأسيس»، والتي تُطرح في الخطاب السياسي باعتبارها أقرب إلى الجناح السياسي للدعم السريع.
فالخلط بين الكيانات والمواقف والأشخاص، ثم بناء اتهامات جنائية على هذا الخلط، لا يخدم الحقيقة ولا يخدم النقاش السياسي. وإذا كان هناك اتهام محدد لـ«صمود» أو لأي من قياداتها بالتورط في جرائم أو دعم عمليات عسكرية أو المشاركة فيها، فليُقدم الدليل.
أما أن يقال إن «أيديهم ملطخة بالدماء» ثم يُطلب من الرأي العام أن يتعامل مع هذه العبارة باعتبارها حقيقة مكتملة، فذلك ليس تحقيقًا سياسيًا ولا صحافة مهنية.
إنه اتهام خطير يحتاج إلى دليل.
رفض صيغة للحوار لا يعني رفض الحوار
ثم إن رفض «صمود» لصيغة معينة من الحوار لا يعني بالضرورة رفض الحوار نفسه.
هناك فرق كبير بين أن تقول:
«لا نريد حوارًا»
وبين أن تقول:
«نريد حوارًا، ولكن وفق شروط تضمن جديته وحياده».
قد نتفق مع هذه الشروط أو نختلف معها.
وقد نراها واقعية أو غير واقعية.
وقد نعتقد أن بعضها قابل للتنفيذ وبعضها الآخر ليس كذلك.
لكن تحويلها تلقائيًا إلى دليل على رفض السلام هو قفزة في الاستنتاج لا تخدم الحوار.
إذا كان السودان يريد إنهاء الحرب، فإن المطلوب هو أن نناقش شروط إنهاء الحرب، لا أن نحاكم النوايا مسبقًا.







إرسال تعليق