بقلم /ياسر ابوريدة
في الوقت الذي ينشغل فيه أهل السياسة بمعارك النفوذ وصراع المواقع وحسابات التسلط وتنشغل بعض الجمعيات بمعارك التمثيل والمقاعد والمصالح يظل المزارع في الرهد يخوض معركته الحقيقية وحيداً مع الأرض والماء والسماء ومدخلات الإنتاج وهناك بعيداً عن مكبرات الصوت والاجتماعات والبيانات يطفو سؤال خطير لا ينبغي أن يمر مرور الكرام كيف وصل سماد منتهي الصلاحية إلى أيدي المزارعين؟ إذا صحت المعلومات المتداولة عن توزيع سماد منتهي الصلاحية في مشروع الرهد الزراعي فنحن أمام واقعة تستوجب التحقيق الفوري لا التبرير وأمام قضية تمس بصورة مباشرة حقوق المزارعين وسلامة الموسم الزراعي فالسماد ليس سلعة عابرة وإنما أحد أهم مدخلات الإنتاج وأي خلل في صلاحيته أو مطابقته للمواصفات قد يتحول إلى خسارة مباشرة للمزارع خسارة في المال والجهد والزمن وربما في المحصول نفسه والأكثر إثارة للقلق أن يحدث ذلك في موسم تتراجع فيه فرص الإنتاج بسبب شح الأمطار ويصبح فيه كل مدخل إنتاج سليم وفي موعده مسألة أساسية لإنقاذ الموسم فهل أصبح المزارع هو الحلقة الأضعف التي تدفع فاتورة الإهمال؟ ومن استلم السماد؟ ومن فحصه؟ ومن خزنه؟ ومن سمح بتوزيعه؟ وهل توجد شهادات صلاحية ومطابقة للمواصفات؟ وإذا ثبت أن الكميات الموزعة منتهية الصلاحية فلماذا لم يتم إيقافها وسحبها فوراً؟ هذه ليست أسئلة للمزايدة السياسية وإنما أسئلة مشروعة يفرضها حق المزارع في معرفة ما يدخل أرضه وما يدفع ثمنه والأمر لا ينبغي أن يتوقف عند السماد وحده فإذا كان هذا هو حال السماد فكيف حال التقاوي؟ وماذا عن بقية مدخلات الإنتاج؟ وماذا عن الري التكميلي؟ وما الخطة الموضوعة لإنقاذ الموسم في ظل شح الأمطار؟ وهنا تصبح مسؤولية الجهات الإدارية والفنية والجمعيات التي يفترض أن تمثل مصالح المزارعين محل سؤال مشروع فالجمعية الزراعية لم تُنشأ لتكون منصة للصراع على النفوذ ولا سلماً للصعود السياسي وإنما وُجدت لخدمة المزارع وحماية مصالحه وإذا تحول تمثيل المزارعين إلى صراع على المواقع والمكاسب فإن أول من يدفع الثمن هو المزارع نفسه والرهد لا تحتاج الآن إلى المزيد من معارك الكراسي ولا إلى صراع سياسي يستهلك الوقت ولا إلى جمعيات تنشغل بمن يمثل من بينما الحقل ينتظر السماد والماء والتقاوي الرهد تحتاج إلى إدارة ترى الحقل قبل المنصب والمزارع قبل السياسي والإنتاج قبل النفوذ ومن هنا فإن وحدة الأمن الاقتصادي بالرهد مطالبة متى ما ثبتت صحة هذه المعلومات بفتح تحقيق مهني وشفاف يشمل جميع الأطراف ذات الصلة من الشركات والموردين والجهات الإدارية والفنية إلى الجهات التي شاركت في الاستلام أو التخزين أو التوزيع أو التمثيل الزراعي وليس الهدف تصفية الحسابات مع أحد وإنما الوصول إلى الحقيقة فإن ثبتت المخالفة فليُحاسب المسؤول عنها وفق القانون وإن كانت المعلومات غير صحيحة فليخرج المسؤولون إلى الناس بالحقائق والمستندات حتى لا يبقى المزارع أسيراً للشائعات والتخمينات فالرهد لا يحتمل منطقة رمادية في قضية تمس مدخلات إنتاجها فالزراعة ليست مجالاً للمجاملة والموسم الزراعي ليس مؤتمراً سياسياً يمكن تأجيله والمزارع الذي يدفع من جيبه ويضع ماله وعرقه وأمله في الأرض لا يريد أن يسمع عن صراع الجمعيات ولا عن حسابات السياسيين وإنما يريد أن يعرف هل السماد الذي دفع ثمنه صالح أم لا؟ وهل التقاوي سليمة؟ وهل الماء سيصل إلى أرضه في الوقت المناسب؟ السياسة يمكن أن تنتظر أما الموسم الزراعي فلا ينتظر أحداً والرهد اليوم أمام امتحان حقيقي إما أن تنتصر الإدارة للمزارع والإنتاج وإما أن يظل الحقل يدفع ثمن الفوضى بينما ينشغل أصحاب النفوذ بتوزيع النفوذ فيما بينهم فالرهد لا يريد مزيداً من البيانات والاجتماعات الرهد يريد سماداً صالحاً وتقاوي سليمة وماءً يصل إلى الحواشة فالمزارع لا يأكل البيانات المزارع يأكل من محصوله.
—







إرسال تعليق