بين نقابة الصحفيين والتحالفات السياسية

  • بتاريخ : 16 سبتمبر، 2026 - 1:12 م
  • الزيارات : 23
  • بقلم / محمد الأمين عبد النبي

    يمثل قرار مجلس نقابة الصحفيين السودانيين بإنهاء مشاركة النقابة، بصفتها كياناً مؤسسياً، في أي من التحالفات السياسية خطوة مهمة وناضجة لإعادة ضبط العلاقة بين العمل النقابي والعمل السياسي، وتأكيد استقلال النقابة عن الاستقطابات والتجاذبات التي أرهقت المجال العام السوداني. فالقرار لا يعني انسحاب النقابة من قضايا الوطن، ولا تراجعها عن الدفاع عن الحرية والسلام والديمقراطية، وإنما يؤكد أن النقابة تستطيع أداء دورها الوطني بصورة أكثر فاعلية حين تمارسه من موقعها المهني المستقل.

    وتنبع أهمية هذا التوجه من طبيعة النقابة ووظيفتها؛ فهي ليست حزباً سياسياً، وإنما مؤسسة مهنية تضم صحفيين مختلفين في انتماءاتهم ومواقفهم السياسية. ولذلك فإن استقلالها المؤسسي شرط أساسي للحفاظ على ثقة عضويتها والرأي العام، ولضمان أن تظل مظلتها المهنية مفتوحة للجميع.

    وتكشف تجربة النظام البائد بوضوح خطورة اختلاط الصحافة بالسلطة والسياسة. فقد عانت الصحافة السودانية من المصادرة والرقابة والتضييق ومحاولات إخضاع الإعلام وتحويله إلى أداة لتبرير سياسات النظام والدفاع عن بقائه، وهو ما أضعف استقلال المهنة وثقة الجمهور بها. ومن ثم فإن حماية المؤسسات الصحفية والنقابية من أي هيمنة سياسية تظل درساً مهماً لا ينبغي تجاهله.

    وفي ظل الحرب والاستقطاب الحاد، تزداد الحاجة إلى هذا الاستقلالية. فالصحافة والنقابة تواجهان تحديات تتصل بخطاب الحرب، والانتهاكات، وتضييق المجال المدني، والصراع حول الروايات والمعلومات. ومن هنا يصبح من المهم أن تستطيع النقابة الدفاع عن حقوق الصحفيين وحرياتهم دون أن تُحسب مؤسسياً على طرف سياسي أو عسكري.

    وفي هذا السياق يمكن فهم مشاركة النقابة بصفة مراقب في تحالف صمود باعتبارها استجابة لظرف استثنائي فرضته الحرب. فقد كان الإسهام في التصدي لخطاب الحرب والكراهية، والدفاع عن الحريات، وحماية الفضاء المدني، تعبيراً عن مسؤولية وطنية ومهنية، ولم تكن تلك المشاركة في جوهرها خصماً من الصحافة أو خروجاً عن قضاياها.

    لكن تغير مقتضيات الظرف يقتضي العودة إلى القاعدة المؤسسية السليمة. وهنا تبرز أهمية التمييز بين موقف النقابة من القضايا الوطنية وبين انخراطها المؤسسي في التحالفات السياسية. فمن حق النقابة، بل من واجبها، اتخاذ مواقف واضحة من الحرب والسلام والديمقراطية وحرية التعبير وحماية الصحفيين، دون أن تصبح في الوقت نفسه طرفاً تنظيمياً في تحالف سياسي.

    وهذا التمييز ما أكدت عليه رؤية الإمام الصادق المهدي، عليه الرضوان، في منتدى الصحافة والسياسة، والقائمة على إدراك خصوصية كل مجال ووظيفته، مع التفاعل والتكامل بينهما دون ذوبان الصحافة في السياسة أو تحولها إلى امتداد لها.

    فالاستقلال المهني يعني أن تبني النقابة مواقفها انطلاقاً من وظيفتها المهنية والنقابية والوطنية، لا من الاصطفاف الحزبي والتنظيمي. كما أن استقلال النقابة لا يتعارض مع الانتماء السياسي للصحفيين. فالصحفي من حقه أن ينتمي إلى الحزب الذي يختاره، وفق قاعدة: النقابة للجميع ولكل حزبه. وبالمثل، فإن القوى المدنية والديمقراطية تحتاج إلى نقابة مستقلة وقوية تستطيع أن تميز المواقف بما تقتضيه الضرورة، وأن تنتقد الجميع بذات المعايير المهنية.

    لذلك فإن قرار النقابة ليس خصماً من القوى المدنية، بل على العكس، يمكن أن يكون حماية لها وللنقابة معاً. فقوة النقابة لا تكمن في قربها من هذا التحالف أو ذاك، وإنما في استقلاليتها، وقوة القوى المدنية كذلك لا تأتي من امتلاك المؤسسات المهنية، وإنما من احترام استقلالها. وفي زمن الحرب والاستقطاب، فإن وضوح الحدود بين الصحافة والسياسة يعزز المجال المدني، ويحفظ للمجتمع واحدة من أهم أدواته في الدفاع عن الحقيقة والحرية والديمقراطية.
    نقابة الصحفيين السودانيين