دعوا الأشجار تنبت .. آمنة ميرغني وحان وقت العمل لا محاكمة المخصصات

  • بتاريخ : 30 أغسطس، 2026 - 1:35 م
  • الزيارات : 12
  • بقلم / سمير سيد عثمان

    في كل مرة تتولى فيها شخصية عامة موقعًا حساسًا كقيادة البنك المركزي ،، يصبح من حق المجتمع أن يسأل ويراقب ويحاسب ،، وهذا حق مشروع في أي دولة تحترم المال العام ومؤسساتها ..

    لكن المحاسبة العادلة تقتضي أن نضع كل شيء في موضعه الصحيح ..

    منذ تكليف السيدة آمنة ميرغني حسن التوم محافظًا لبنك السودان المركزي ،، وهي تخوض مهمة لا تُحسد عليها ،، فقد جاء تكليفها في ظل واحدة من أعقد الأزمات الاقتصادية التي مرت بها البلاد ،، بعد ما يقارب ثلاث سنوات من حرب أنهكت الاقتصاد الوطني ،، وأضعفت الإنتاج ،، وشردت الملايين ،، وألحقت أضرارًا بالغة بالبنية المصرفية والمالية ..

    فجاءت لتتولى دفة بنك مركزي يعمل في ظروف استثنائية ،، لا في زمن استقرار تُقاس فيه الأداءات بمعايير الرخاء المعتاد ..

    ما تناقلته بعض الوسائط مؤخرًا حول مستحقاتها المالية بحكم منصبها ،، لا ينبغي أن يتحول إلى محاكمة شخصية لمجرد أن الأرقام بدت كبيرة أو أن طبيعة تلك المخصصات لا تحظى بتفهم البعض ..

    فالبدلات التي يتقاضاها من يشغل منصب المحافظ ليست امتيازًا شخصيًا ابتدعته السيدة آمنة ،، بل حقوق وظيفية منصوص عليها في اللوائح المالية والإدارية لبنك السودان المركزي ،، أسوة بمن سبقها في هذا المنصب ..

    وإن كان هنالك نقاش مشروع حول هيكل هذه المخصصات ،، فمكانه الصحيح أن يكون نقاشًا عامًا حول شفافية اللوائح ذاتها وعدالتها ،، لا وسيلة لإدانة شخص بعينه أو التشكيك في أهليته ..

    فالمحاسبة الحقيقية تكون على القرار ،، لا على الراتب ..

    ولذلك ،، فإن النقد الجاد يجب أن ينصرف إلى سياسات البنك المركزي وأثرها على سعر الصرف ،، والسيولة ،، واستقرار الجهاز المصرفي ،، وإدارة الموارد النقدية ،، وغيرها من الملفات التي تدخل في صميم مسؤولية المحافظ ..

    فمن يزرع في أرض محروقة بالحرب ،، لا يُحاسَب على الثمرة قبل أوان قطافها ..

    ولعل من أبرز ما يُحسب لها منذ توليها المهمة ،، نهجها التشاركي مع مديري عموم المصارف العاملة في البلاد ،، عبر لقاءات دورية تُناقَش فيها السياسات النقدية وتدخلات البنك المركزي لضبط سعر الصرف وتلبية احتياجات المستوردين من النقد الأجنبي ..

    وهذا نهج يقوم على الشورى المؤسسية لا القرار الفردي المنفرد ،، والشورى هنا لا تعني التنازل عن سلطة القرار ،، بل تعني أن القرار الجيد يسبقه استماع جيد ..

    وفي الظروف الاستثنائية التي يمر بها السودان ،، نحتاج إلى هذه الروح أكثر من أي وقت مضى ،، نحتاج إلى بنك مركزي يستمع ويحلل ويصحح ويتعامل مع المصارف كشريك في استقرار النظام المالي ،، لا مجرد جهة مطالَبة بتنفيذ التعليمات ..

    الإنصاف يقتضي أن نمنح المحافظ مساحة زمنية معقولة للعمل ،، عامًا كاملاً مثلًا ،، قبل إصدار الأحكام النهائية على تجربتها ..

    وهذا لا يعني منحها حصانة من النقد ،، ولا أن كل قرار تتخذه سيكون صائبًا ،، ولا أن موقعها فوق المساءلة ،، بل يعني ببساطة أن التقييم المهني يحتاج فترة زمنية كافية حتى تظهر النتائج ..

    وبعد ذلك العام ،، لتكن الأسئلة الفاصلة بلا مجاملة :

    *ماذا فعلت بشأن استقرار القطاع المصرفي؟ .. ماذا قدمت لمعالجة أزمة السيولة وسعر الصرف؟ .. ما الذي تغيّر في علاقة البنك المركزي بالمصارف؟ .. وأين نجحت الإصلاحات ،، وأين لم يحالفها التوفيق؟ ..*

    هذه هي الأسئلة التي تستحق أن تكون محور النقاش العام ،، لا تحويل مخصصات وظيفية إلى معيار للحكم على الكفاءة ،، فهذا خلط بين قضيتين مختلفتين تمامًا ..

    فإن كانت هنالك مشكلة في هيكل مخصصات شاغلي المناصب التنفيذية عمومًا ،، فتلك قضية دولة تستحق نقاشًا شفافًا بمعايير واضحة تنطبق على الجميع ،، لا معركة تُختزل في اسم واحد ..

    لا تُدافعوا عن المسؤول لأنها امرأة ،، ولا تنتقدوها لأنها امرأة ..

    دافعوا عن حقها في أن تُقيَّم على أساس الكفاءة ،، وانتقدوا قراراتها حين تستوجب النقد ،، وحاسبوها حين يحين وقت الحساب ..

    لكن قبل ذلك كله ..

    *دعوا الأشجار تنبت* ،، ثم حاسبوها على ثمرها ..

    فالسودان اليوم لا يحتاج إلى إطفاء كل محاولة قبل أن تبدأ ،، بل يحتاج إلى نقد ورقابة وشفافية حقيقية ،، مقرونة بفرصة عمل حقيقية تُقاس بالنتائج لا بالانطباعات .