د. الزبير حمزة يكتب: المملكة …. مواقف لا تنسي

  • بتاريخ : 31 أغسطس، 2026 - 4:23 م
  • الزيارات : 6
  • هناك مواقف يسجلها التاريخ بأحرف من نور لا يمكن أن تنسي ولا أن تمحوها السنوات مهما امتدت، لأنها ارتبطت بالإنسان في لحظة ضعفه وبالوقوف إلى جانبه عندما تشتد المحن وتضيق السبل وفي أوقات الأزمات الكبرى لا تكون قيمة المواقف في حجم الكلمات التي تقال وإنما في حجم العون الذي يقدم وفي القدرة التي تحول التضامن إلى أفعال حقيقية يشعر بها الإنسان في حياته اليومية
    ومن هذا المنطلق سيظل موقف المملكة العربية السعودية تجاه أهلنا خلال هذه المحنة حاضراً في ذاكرتنا بوصفه موقفًاً أخوياً وإنسانياً يعكس عمق العلاقات التاريخية بين الشعبين ويجسد معنى التضامن في أوقات الشدة
    لقد حلت بنا الازمة في ظروف بالغة القسوة أوقفت الكثير من مظاهر الحياة الطبيعية وأجبرت اهلنا على النزوح داخل وطنهم أو اللجوء إلى دول أخرى بحثًا عن الأمن والأمان وتعرضت الأسر لظروف إنسانية صعبة وفقد كثير من الناس مصادر رزقهم وتعطلت المدارس والمستشفيات والمؤسسات وأصبح الحصول على الغذاء والدواء والمياه والخدمات الأساسية تحدياً يومياً لملايين المواطنين
    وفي وسط هذه الظروف القاسية، كانت المملكة العربية السعودية من الدول التي بادرت إلى الوقوف إلى جانب اهلنا وجاءت جهودها الإنسانية عبر مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية لتؤكد أن المملكة تنظر إلى الإنسان أولاً بعيداً عن الحسابات الضيقة وأن مساعدة المتضررين في أوقات الكوارث والأزمات مسؤولية إنسانية وأخلاقية
    لقد فتح مركز الملك سلمان بابه واسعاً أمام احتياجات أهلنا وتحولت برامجه ومبادراته إلى جسور ممتدة بين المملكة والسودان تحمل الغذاء والدواء والمستلزمات الطبية والمساعدات الأساسية إلى المحتاجين وتصل إلى الفئات التي أنهكتها الحرب والنزوح وفقدان مصادر الدخل
    وليس من السهل على الإنسان الذي يعيش الأزمة أن ينسى من وقف إلى جانبه عندما كان في أمس الحاجة إلى المساعدة فحين يصل الغذاء إلى أسرة فقدت مصدر دخلها وحين يجد المريض الدواء في وقت تعاني فيه المؤسسات الصحية من النقص وحين تجد الأسرة النازحة ما يساعدها على مواجهة ظروف النزوح فإن المساعدة لا تكون مجرد مواد تسلم وإنما تصبح رسالة إنسانية تقول للمتضرر لست وحدك
    وهذا هو المعنى الأعمق للمساعدات الإنسانية فهي لا تعني تقديم الأشياء فقط وإنما تعني تخفيف الألم وحماية الكرامة الإنسانية ومنح الإنسان قدراً من الأمل في غد أفضل
    وقد كان للمملكة موقف آخر لا يقل أهمية عن إيصال المساعدات إلى داخل السودان وهو التعامل مع السودانيين الذين قدموا إليها نازحين من ظروف الحرب. فقد وجد السودانيون في المملكة بيئة آمنة ووجد كثير منهم أبواباً مفتوحة وقلوباً رحبة وهو أمر يعكس طبيعة العلاقة الخاصة التي تربط الشعب السوداني بالشعب السعودي
    فالسوداني الذي غادر وطنه لم يكن يبحث عن الرفاهية وإنما كان يبحث عن مكان آمن يحمي أسرته وأطفاله من آثار الحرب وعندما وجد هذا الأمان في المملكة شعر بأن هناك بلداً شقيقاً لم يغلق أبوابه في وجهه بل تعامل معه بما يليق بظروفه الإنسانية
    ومن أجمل صور هذا الاحتضان أن يجد أبناء السودانيين فرصة لمواصلة تعليمهم في المملكة فالحرب قد تدمر المدارس والمباني لكنها لا ينبغي أن تدمر مستقبل الأطفال وقد كان السماح للطلاب السودانيين بمواصلة مسيرتهم التعليمية خطوة بالغة الأهمية لأنها تعني أن جيلاً كاملاً لن يترك فريسة للجهل والانقطاع عن التعليم بسبب ظروف قاهرة لم يكن له ذنب فيها
    إن المحافظة على تعليم الأطفال في زمن الحرب ليست مسألة تعليمية فقط بل هي عمل إنساني واستراتيجي من أجل المستقبل فالطفل الذي يدخل مدرسته اليوم ويحمل كتابه بدلاً من أن يحمل آثار الخوف والقلق هو مشروع إنسان قادر على المشاركة في إعادة بناء وطنه عندما تنتهي الحرب
    ولذلك فإن احتضان المملكة لأبناء السودانيين وتوفير فرص التعليم لهم يمثل صورة من صور التضامن التي تتجاوز المساعدة الآنية إلى بناء الإنسان والمحافظة على مستقبله
    إن مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية أصبح يشكل حضوراً في الوجدان السوداني
    فالإنسان السوداني بطبيعته يقدر الوفاء، ويحفظ الجميل، ولا ينسى من وقف معه في الشدة ولذلك فإن ما تقدمه المملكة اليوم سيظل محفوظاً في ذاكرة السودانيين وسيجد مكانه في وجداننا
    لقد أثبتت هذه الأزمة أن العلاقات بين الشعوب لا تقاس فقط بحجم التجارة والاستثمار وإنما تظهر حقيقتها في المواقف الإنسانية وعندما يحتاج الإنسان إلى أخيه يكون الوقوف إلى جانبه أبلغ من كل الاتفاقيات وأقوى من كل الكلمات
    ومن القلب نقول للمملكة العربية السعودية قيادة وشعباً شكراً على مواقفكم تجاه اهلنا وشكرًا لمركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية وشكراً لكل من أسهم في إيصال الخير إلى اهلنا في السودان
    وشكراً أيضاً لكل من ساعد طفلاً سودانياً على مواصلة تعليمه ولكل طبيب عالج مريضاً ولكل يد امتدت بالغذاء والدواء، ولكل جهد ساهم في تخفيف معاناة إنسان سوداني
    إن مثل هذه المواقف لا تُنسى لأنها تأتي في زمن يحتاج فيه الإنسان إلى أخيه أكثر من أي وقت آخر