لا تقتلوا الأوفياء بأيدي أهلهم.. أحمد عابدين نموذجاً لمن خدموا بصمت

  • بتاريخ : 31 أغسطس، 2026 - 4:29 م
  • الزيارات : 6
  • بقلم/ د. سعاد فقيري

    هناك أوجاع لا تُرى في المستشفيات، ولا تُقاس بالأجهزة الطبية، ولا تظهر في التقارير الرسمية؛ إنها أوجاع تصيب الإنسان عندما يجد نفسه بعد سنوات طويلة من العطاء، في مواجهة من كان يفترض أن يكونوا أول من يقف إلى جانبه.
    وهناك ظلم أشد قسوة من ظلم الغريب؛ ظلم يأتي من القريب، ومن أبناء المكان، ومن الذين يعرفون جيداً من أعطى، ومن صبر، ومن بقي حين غادر الآخرون.
    وقضية الدكتور أحمد عابدين في مستشفى التضامن ليست مجرد خلاف حول موقع وظيفي أو إدارة مستشفى.
    إنها قضية أكبر بكثير.
    إنها قضية الوفاء للكفاءات، واحترام سنوات العطاء، وحماية أبناء البلد الذين اختاروا أن يبقوا إلى جانب أهلهم في أصعب الظروف.
    أكثر من عشرين عاماً ليست رقماً عابراً
    حين يمضي طبيب أكثر من عشرين عاماً في مؤسسة صحية، في منطقة قد لا تكون الخيار الأسهل لكثير من الأطباء، ويظل حاضراً بينما يأتي آخرون ويغادرون، فإن هذه السنوات لا ينبغي أن تُختزل في قرار إداري أو خلاف عابر.
    أكثر من عشرين عاماً تعني أن الرجل أصبح جزءاً من ذاكرة المكان.
    تعني أنه عرف مرضاه، وعرف أسرهم، وعرف ظروفهم، وعاش معهم أفراحهم وأوجاعهم.
    وتعني قبل كل شيء أنه اختار أن يكون موجوداً.
    والوجود في زمن الأزمات ليس أمراً بسيطاً.
    فكثيرون يستطيعون أن يقدموا الخدمة عندما تكون الظروف مريحة، لكن القليلين هم الذين يبقون عندما تشتد الحاجة إليهم.
    ومن الشهادات التي تُروى عن الدكتور أحمد عابدين أنه ظل يقدم خدماته الطبية، وخصوصاً في مجال النساء والتوليد والعمليات القيصرية، مع مراعاة ظروف المواطنين، وأنه لم يجعل المال شرطاً أمام من يحتاج إلى العلاج.
    إن صحّت هذه الشهادات، فهي ليست مجرد مواقف مهنية؛ إنها رسالة إنسانية تستحق التقدير.
    هل نعاقب من بقي؟
    السؤال الذي يجب أن يطرحه أهل المنطقة بكل شجاعة:
    هل أصبح الوفاء للمكان تهمة؟
    هل أصبح بقاء الطبيب سنوات طويلة سبباً لإبعاده؟
    هل أصبح من حقنا أن ننسى كل ما قدمه الإنسان لمجتمعه لمجرد ظهور خلاف إداري أو اختلاف في وجهات النظر؟
    التطوير مطلوب، نعم.
    والتغيير مطلوب عندما تقتضي المصلحة العامة ذلك.
    لكن التطوير لا يعني محو الذاكرة.
    والتحديث لا يعني إهانة أصحاب الخبرة.
    والاستعانة بكفاءات جديدة لا تعني التخلص من الكفاءات القديمة.
    المؤسسات الناجحة تبني الجديد فوق ما هو صالح من القديم، ولا تبدأ كل مرة من الصفر.
    يا أهل المنطقة.. لا تتركوا أبناءكم الأوفياء وحدهم
    رسالتي اليوم إلى أهل المنطقة ليست رسالة مجاملة، وإنما رسالة صريحة:
    قفوا مع أبنائكم الذين خدموكم بصدق.
    ساندوا من وقف معكم في الشدة.
    احموا أصحاب الخبرة من الظلم والإقصاء.
    لا تسمحوا للخلافات الشخصية أن تهدم سنوات من العطاء.
    ولا تجعلوا الاختلاف في الرأي يتحول إلى كراهية، ولا تجعلوا المنافسة تتحول إلى تصفية حسابات.
    ليس المطلوب أن تنصروا الدكتور أحمد عابدين لأنه من أبناء المنطقة فحسب، وإنما المطلوب أن تنصفوه إذا كان قد أدى واجبه وأثبت كفاءته وقدم سنوات طويلة من الخدمة.
    فالإنصاف لا يعني العصبية.
    والدفاع عن الحق لا يعني الانحياز الأعمى.
    لكن السكوت عن ظلم رجل خدم مجتمعه سنوات طويلة ليس حكمة.
    لقد أضاع السودان أبناءه بالكراهية
    ولعل قضية مستشفى التضامن تفتح جرحاً سودانياً أوسع.
    كم من كفاءة سودانية غادرت موقعها لأنها لم تجد من يقف معها؟
    كم من إنسان مخلص أُحبط لأنه رأى أن الولاء والخصومة والعلاقات أقوى من الكفاءة؟
    كم من مؤسسة خسرت أفضل أبنائها لأن شخصاً لم يحتمل نجاحهم؟
    وكم من مشروع توقف لأن أبناءه انشغلوا بمن يكون في الواجهة بدلاً من أن يسألوا: كيف ننجح جميعاً؟
    هذه واحدة من أكبر مشكلاتنا.
    لقد أرهقتنا ثقافة “إن لم يكن معي فهو ضدي”.
    وأتعبتنا ثقافة التشكيك في النوايا.
    وأضاعت علينا فرصاً كثيرة بسبب الحقد والحسد والخصومات الشخصية.
    والنتيجة؟
    بلد غني بالكفاءات، فقير في الاستفادة منها.
    بلد يهاجر أبناؤه، ثم يبحث عن الخبرات من الخارج.
    بلد يملك العقول، لكنه كثيراً ما يحاربها بدلاً من أن يحتضنها.
    لا تجعلوا مستشفى التضامن نسخة من أخطاء السودان
    إن مستشفى التضامن اليوم أمام فرصة تاريخية.
    إما أن نجعل منه نموذجاً للتكامل بين الخبرة والتطوير، وإما أن يتحول إلى حلقة أخرى من حلقات الصراع التي أرهقت مؤسساتنا.
    يمكن أن تأتي كفاءات جديدة.
    ويمكن أن تتغير الإدارة.
    ويمكن أن تتطور اللوائح.
    ويمكن أن تتم إعادة تنظيم الرسوم والخدمات.
    لكن كل ذلك يجب أن يتم بالحكمة والمؤسسية والاحترام.
    الدكتور أحمد عابدين ليس بالضرورة خصماً للتطوير لمجرد أنه يختلف حول طريقة معينة في الإدارة أو تقديم الخدمة.
    والمطالبة بالتطوير ليست جريمة.
    المشكلة تبدأ عندما يتحول الاختلاف إلى إقصاء، وعندما يصبح الإنسان الذي خدم المؤسسة سنوات طويلة هو الحلقة الأضعف في الصراع.
    نريد عدالة لا معركة
    رسالتي إلى لجنة تطوير مستشفى التضامن:
    لا تجعلوا اللجنة ساحة خصومة.
    أنتم تحملون أمانة، والأمانة تقتضي أن تكون مصلحة المستشفى فوق الجميع.
    اجلسوا مع الدكتور أحمد.
    اسمعوا منه.
    استمعوا إلى الكوادر الطبية.
    استمعوا إلى أهل المنطقة.
    استمعوا إلى المرضى وأسرهم.
    راجعوا اللوائح.
    قيّموا الأداء.
    ضعوا معايير واضحة.
    ثم اتخذوا القرار الذي يخدم المستشفى.
    أما أن تتحول القضية إلى من ينتصر على من، فهذه ليست تنمية ولا تطويراً.
    إنها إعادة إنتاج لنفس المرض الذي أصاب السودان طويلاً.
    والرسالة إلى وزارة الصحة أوضح
    نناشد الجهات الصحية المختصة أن تتعامل مع الأمر بمهنية وعدالة، بعيداً عن أي ضغوط أو استقطاب.
    فالطبيب الذي أمضى سنوات طويلة في مؤسسة صحية يجب أن تكون له حقوق مهنية وإدارية واضحة، وأي تغيير في موقعه ينبغي أن يخضع للوائح والمعايير، لا للأهواء.
    نريد قراراً مؤسسياً لا قراراً انتقامياً.
    ونريد تطويراً حقيقياً لا تغييراً للأسماء.
    ونريد مستشفى يستفيد من الدكتور أحمد ومن كل كفاءة جديدة قادرة على الإضافة.
    يا أبناء البلد.. لا تحاربوا من وقف معكم
    أيها الأهل:
    إن أبناءكم الأوفياء ثروة.
    فلا تفرطوا فيهم.
    لا تجعلوا الغضب أقوى من العقل.
    لا تجعلوا الحقد أقوى من الوفاء.
    لا تسمحوا لخلاف شخصي أن يهدم علاقة مجتمع بأحد أبنائه.
    إن كان هناك خطأ، فليُحاسب صاحبه بالقانون.
    وإن كان هناك تقصير، فليُعالج بالمؤسسة.
    وإن كان هناك خلاف، فليُحل بالحوار.
    لكن لا تجعلوا الإنسان الذي خدمكم سنوات طويلة يدفع ثمن خلافات لا علاقة له بها.
    أنصفوا أبناءكم وهم بينكم، ولا تنتظروا حتى يرحلوا لتقيموا لهم الاحتفالات وتكتبوا عن مآثرهم.
    أحمد عابدين يستحق الإنصاف
    ليس من العدل أن نختصر مسيرة طبيب طويلة في خلاف نشأ في مرحلة معينة.
    وليس من الوفاء أن ننسى سنوات العطاء لأن هناك من يريد تغييراً في الإدارة أو في طريقة العمل.
    وإذا كان الدكتور أحمد عابدين قد قدم بالفعل ما يشهد به له أهل المنطقة، وظل لعقود قريباً من المرضى والمستشفى، فإن أقل ما يستحقه هو الاحترام والإنصاف والاستماع إليه.
    ليس المطلوب أن يكون فوق القانون.
    وليس المطلوب أن يكون فوق النقد.
    ولكن المطلوب ألا يكون أقل من حقه في العدالة.
    وهذه هي النقطة التي يجب أن يتفق عليها الجميع.
    كفى هدماً لبعضنا البعض
    السودان اليوم لا يحتمل مزيداً من الهدم.
    بلادنا تحتاج إلى أن نعيد بناء ثقافة جديدة:
    ثقافة تقدّر الكفاءة.
    ثقافة تحترم الكبير.
    ثقافة تحتفي بالمخلص.
    ثقافة تعترف بالإنجاز.
    ثقافة تختلف دون أن تكره.
    ثقافة تنتقد دون أن تهدم.
    ثقافة تدعم أبناء الوطن لا تحاربهم.
    فإذا كنا نريد بناء السودان من جديد، فعلينا أن نبدأ ببناء الإنسان قبل الحجر.
    وعلينا أن نتعلم درساً بسيطاً:
    لا يمكن أن نبني دولة قوية بعقول تحارب بعضها، ولا مجتمعاً قوياً بقلوب يملؤها الحقد.
    وفي الختام
    إلى أهل مستشفى التضامن وأهل المنطقة:
    لا تتركوا الدكتور أحمد عابدين وحده.
    إن كان قد أخطأ فحاسبوه بالحق.
    وإن كان قد أصاب فأنصفوه.
    وإن اختلفتم معه فحاوروه.
    وإن أردتم التطوير فطوروا.
    لكن لا تجعلوا التطوير ذريعة لإهدار سنوات رجل خدم مؤسسته ومجتمعه.
    احفظوا أبناءكم الأوفياء، لأن الوطن الذي لا يحفظ المخلصين يخسرهم، والوطن الذي يخسر مخلصيه لا يستطيع أن يبني مستقبله.
    مستشفى التضامن يحتاج إلى كل أبنائه.
    ويحتاج إلى الدكتور أحمد عابدين كما يحتاج إلى كل كفاءة جديدة.
    فلا تجعلوا خلافاً عابراً يهدم تاريخاً من العطاء.
    لقد أضاع السودان الكثير بسبب الكراهية والحسد والإقصاء.
    آن لنا أن نتعلم.
    آن لنا أن نختلف دون أن نتعادي، وأن نتنافس دون أن نتآمر، وأن ننتقد دون أن نهدم، وأن نساند أبناءنا حين يستحقون المساندة.
    فالأوفياء لا ينبغي أن يكونوا ضحايا في أوطانهم.
    أنصفوا من خدمكم قبل أن يصبح الإنصاف مرثية بعد فوات الأوان.