السودان… وطنٌ أنهكته الحرب

  • بتاريخ : 27 أغسطس، 2026 - 3:52 م
  • الزيارات : 30
  • بقلم / قرار حسين كسلا

    لم يعد الغلاء في السودان مجرد أرقام ترتفع في الأسواق، ولا الفقر مجرد حاجةٍ إلى المال؛ فقد تحولت المعاناة إلى تفاصيل قاسية في حياة ملايين السودانيين: أسرة تبحث عن لقمة العيش، وأب يعجز عن توفير احتياجات أطفاله، وأم تحمل همّ يومها ولا تعرف ماذا يحمل لها الغد.
    الحرب لم تكتفِ بتهجير الناس من بيوتهم، بل اقتلعتهم من حياتهم. ملايين النازحين تركوا منازلهم وأعمالهم وذكرياتهم، يبحثون عن مكان أكثر أمناً، بينما تتسع دائرة الفقر وتزداد كلفة الغذاء والدواء والسكن، ويصبح أبسط حق من حقوق الإنسان حلماً بعيد المنال.
    لكن أقسى ما في هذه المأساة هو ما تعيشه الأمهات السودانيات. أمهات فقدن أبناءهن في الحرب، وأخريات فقدن أزواجهن أو إخوانهن، وبعضهن فقدن أكثر من عزيز في لحظة واحدة. أمٌّ تنتظر ابنها الذي لن يعود، وأخرى تحمل صورة زوجها الراحل، وثالثة تحاول أن تخفي دموعها عن أطفالها حتى لا تزيد خوفهم. هؤلاء لا يحتجن إلى كلمات المواساة وحدها؛ إنهن يحتجن إلى وطن يتوقف فيه الموت، وإلى دولة ومجتمع يعيدان إليهن شيئاً من الأمان والكرامة.
    إن المسؤولية اليوم أكبر من المناكفات السياسية والحسابات الحزبية والعسكرية. فالسودانيون لا يريدون خطباً جديدة بقدر ما يريدون نهاية للحرب، وفتح الطرق أمام المساعدات، وحماية المدنيين، وإعادة النازحين، وإنقاذ الاقتصاد من الانهيار.
    وإلى المسؤولين والقادة والنخب السياسية والمجتمعية: اتقوا الله في هذا الشعب. ضعوا خلافاتكم جانباً، وتذكروا أن السلطة مهما كانت قيمتها لا تساوي دمعة أم فقدت ابنها، ولا خوف طفل نزح من بيته، ولا جوع أسرة باتت عاجزة عن شراء غذائها.
    لقد طال أمد المعاناة، ولم يعد السودان يحتمل مزيداً من الدم والدموع. آن الأوان أن تكون أولوية الجميع هي إنقاذ الإنسان السوداني قبل أي شيء آخر، وأن يتحول الحديث عن السلام من شعار إلى قرار، ومن أمنية إلى فعل.
    فالوطن الذي يفقد أبناءه كل يوم لا يحتاج إلى منتصرين بقدر ما يحتاج إلى رحمةٍ توقف الحرب، وعقلٍ يصنع السلام، وضميرٍ يعيد للسودانيين حقهم في الحياة.