أين شعراء الأغنية السودانية؟ من الحقيبة إلى جيل المنصات الرقمية… أين انقطع الامتداد؟

  • بتاريخ : 28 أغسطس، 2026 - 10:50 م
  • الزيارات : 18
  • بقلم: د. مختار خضر بشراب

    هناك أسئلة لا تأتي من فراغ، وإنما تولد من كثرة الاستماع، ومن ذلك الشعور الغريب الذي ينتابنا عندما نسمع أغنية قديمة فنكتشف أننا لا نستمع إلى لحن أو صوت فقط، وإنما نفتح بابًا كاملًا في الذاكرة. فجأة تعود إلينا وجوه لم نعد نراها، وأماكن تغيرت ملامحها، وأيام لم نكن نعرف، ونحن نعيشها، أنها ستصبح يومًا جزءًا من حنيننا. وربما لهذا السبب ظل سؤال يراودني كلما عدت إلى أغنيات السودان القديمة:
    أين شعراء الأغنية السودانية؟
    لا أقصد المطربين؛ فالسودان لم يتوقف عن إنجاب الأصوات الجديدة، بل إن المشهد الموسيقي اليوم أكثر اتساعًا وتنوعًا من أي وقت مضى، وفيه الراب والأفروبيت والأشكال الهجينة والتجارب المستقلة والمزج بين الإيقاعات السودانية والموسيقى العالمية. ولا أقصد الملحنين والعازفين والمنتجين. إنني أقصد ذلك الشاعر الذي يستطيع أن يضع كلماته في أغنية، ثم يتركها تمضي وحدها في الزمن، حتى تصبح بعد سنوات شيئًا من ذاكرة الناس.
    فحين نسمع اسم إسماعيل حسن لا نستحضر شاعرًا وحسب؛ نستحضر عالمًا كاملًا من الغناء. وحين يمر اسم الحلنقي أو محمد يوسف موسى أو حسين بازرعة أو فضل الله محمد أو سيف الدين الدسوقي أو مبارك المغربي، نشعر أن الأسماء نفسها أصبحت مفاتيح لأبواب قديمة في الذاكرة. ثم تأتي أسماء هاشم صديق والدوش وحميد والقدال ومحجوب شريف وصالح حاج سعيد وعاطف خيري وغيرهم، فنكتشف أن الشاعر السوداني لم يكن يومًا مجرد كاتب كلمات، وإنما كان في مراحل كثيرة شريكًا في صناعة وجدان الناس، وصياغة لغة جيل كامل.
    لكن السؤال يحتاج إلى شيء من التمهل، لأن الإجابة السريعة قد تظلم الحاضر كما تظلم الماضي.
    فالأغنية السودانية لم تبدأ بالحقيبة، وإن كانت الحقيبة واحدة من أهم اللحظات التي تشكلت فيها ملامح الأغنية الحديثة. كانت هناك قبلها جذور ممتدة في المديح والدوبيت والحماسة وأغاني العمل والمناسبات والتقاليد المحلية المتنوعة. ثم جاءت الحقيبة، فوجد الشعر مساحة واسعة داخل الغناء، وأصبح للكلمة حضور لا يقل عن حضور الصوت واللحن. ومن ود الرضي وعمر البنا والعبادي وخليل فرح وأبو صالح وسيد عبد العزيز ومحمد بشير عتيق والجاغريو وعبيد عبد الرحمن وعبد الرحمن الريح وغيرهم، تشكلت مرحلة لم تكن الأغنية فيها منتجًا سريعًا، بل تجربة تتداخل فيها الكلمة واللحن والصوت والزمن. وتكشف المصادر التي وثقت تاريخ الغناء السوداني، ومن بينها أعمال معاوية حسن يسن، اتساع هذا التراكم منذ البدايات وحتى ظهور الإذاعة السودانية في الأربعينيات.
    ولعل سر بقاء تلك المرحلة لا يكمن في كثرة شعرائها فقط، وإنما في أن الشاعر كان قريبًا من قلب العملية الفنية. كانت الكلمة تجد وقتها، وكان النص يلتقي باللحن ثم بالصوت، وكان العمل يمر في رحلة تسمح له بأن يتنفس قبل أن يصل إلى الناس. ولم تكن الحدود بين الشاعر والملحن والمغني بالصرامة التي نعرفها اليوم؛ ولذلك جاءت التجربة غنية، متراكمة، وقادرة على إنتاج أغنيات تجاوزت أصحابها إلى أجيال لم تعرفهم شخصيًا.
    ثم تغيرت الحياة، وتغير معها شكل الأغنية. جاءت الإذاعة، واتسعت مساحة الأوركسترا، وتطورت التوزيعات، وأصبح المطرب نجمًا جماهيريًا، لكن الشاعر ظل حاضرًا. وظهر جيل كامل من الشعراء الذين صنعوا مع كبار المطربين ما عرفناه لاحقًا بالعصر الذهبي للأغنية السودانية. إسماعيل حسن، حسين بازرعة، محمد يوسف موسى، إسحق الحلنقي، فضل الله محمد، سيف الدين الدسوقي، عوض أحمد خليفة، مبارك المغربي، إبراهيم الرشيد، مبارك البشير وغيرهم؛ أسماء لم تكن تكتب كلمات فحسب، بل كانت تمنح الأغنية هويتها وتمنح المطرب عالمًا يستطيع أن يعيش داخله.
    وفي ذلك الزمن كانت العلاقة بين الشاعر والمطرب شيئًا يستحق التأمل. لم تكن الأغنية مجرد لقاء سريع بين صوت وكلمات؛ كان هناك زمن مشترك، وثقة تتراكم، وتفاهم فني يجعل الشاعر يعرف مساحة صوت المطرب، ويعرف المطرب كيف يدخل إلى عالم الشاعر. ومن هذا التفاعل خرجت أغنيات أصبحت أكبر من أصحابها، لأن النص وجد الصوت الذي يشبهه، والصوت وجد النص الذي يكشف أفضل ما فيه.
    ثم جاء جيل آخر حمل شيئًا مختلفًا. لم يعد الشعر الغنائي محصورًا في الرومانسية التقليدية، بل اقترب من الشارع والقرية والمدينة والفقر والاغتراب والسياسة والاحتجاج والأسئلة الاجتماعية. جاء هاشم صديق، والدوش، وحميد، والقدال، ومحجوب شريف، وصالح حاج سعيد، ومدني النخلي، وعاطف خيري، وأزهري محمد علي، ويحيى فضل الله، والتيجاني حاج موسى، وعبد الوهاب هلاوي وغيرهم، فدخلت الحياة نفسها إلى الأغنية بصورة أكثر مباشرة. أصبح النص أكثر جرأة، وأكثر التصاقًا بالإنسان السوداني في تفاصيله الصغيرة والكبيرة.
    وفي قلب تلك المرحلة تبرز تجربة مصطفى سيد أحمد بصورة خاصة. لم يكن مجرد صوت جميل يبحث عن أغنية، وإنما كان أشبه بمساحة التقاء لمجموعة من التجارب الشعرية المختلفة. حميد والدوش والقدال وهاشم صديق وصالح حاج سعيد وعاطف خيري وأزهري محمد علي ويحيى فضل الله وغيرهم وجدوا في تجربته مساحة لتجريب لغة جديدة. وهنا تظهر واحدة من أهم حقائق تاريخ الأغنية السودانية: الفن لا يصنعه الموهوب وحده؛ أحيانًا تصنعه البيئة التي تجمع الموهوبين.
    ولهذا فإن السؤال عن شاعر الأغنية اليوم لا ينبغي أن يكون سؤالًا عن الموهبة وحدها.
    فالمشهد تغير بصورة جذرية. في السابق كان الطريق إلى الجمهور يمر غالبًا عبر منظومة طويلة من الشاعر والملحن والمطرب والفرقة والإذاعة أو التلفزيون ثم الجمهور. أما اليوم فقد يستطيع الفنان أن يكتب ويسجل وينشر خلال ساعات، وقد يصل إلى آلاف أو ملايين المستمعين دون أن يمر بأي من البوابات التي كانت في الماضي تمنح العمل فرصة للنقد والمراجعة والصقل. لقد قصرت التكنولوجيا المسافة بين الفنان والجمهور إلى حد مذهل، ومنحت المبدع حرية لم تكن متاحة من قبل، لكنها في الوقت نفسه جعلت دورة حياة الأغنية أسرع من قدرتها على النضج أحيانًا.
    ومع ذلك، لا يصح أن نتهم التكنولوجيا بأنها قتلت شاعر الأغنية. ربما فعلت العكس تمامًا. فقد فتحت أمام جيل جديد أبوابًا لم تكن موجودة من قبل، وأعطته القدرة على أن يجرب ويخلط ويغامر. الراب السوداني، والأفروبيت، والـTrap، والموسيقى الإلكترونية، والأشكال الهجينة، كلها مساحات يمكن أن تولد فيها لغة غنائية جديدة. وقد يكون الشاعر الجديد هو نفسه المطرب، أو قد تصبح الكلمات جزءًا من الأداء لا نصًا منفصلًا عنه. وهنا ربما يكون الخطأ في السؤال نفسه؛ فنحن نبحث عن شاعر الأغنية الجديد بالصورة التي عرفناها، بينما قد يكون هذا الشاعر قد ظهر فعلًا ولكن في هيئة مختلفة.
    ثم إننا نرتكب ظلمًا آخر عندما نقارن أغنية ولدت بالأمس بأغنية عاشت نصف قرن. فالخلود يحتاج إلى الزمن، ولا يمكن أن نعرف اليوم ما الذي سيبقى من إنتاج اليوم. لذلك لا أعتقد أن المشكلة هي قلة الإنتاج؛ الإنتاج موجود، والأصوات موجودة، والتجارب كثيرة. ما نفتقده، أو ما لم يتبلور بعد بصورة واضحة، هو التراكم الذي يحول التجارب الفردية إلى مدرسة، والمدرسة إلى ذاكرة.
    ثم جاءت الحرب، فحدث ما هو أكبر من تغير في صناعة الموسيقى. تفرقت البيئة نفسها. خرج الفنانون والشعراء والجمهور، تفرقت الفرق، وتضررت المسارح والمؤسسات الثقافية، وأصبح المشهد الفني موزعًا بين السودان وبلدان ومدن كثيرة. ولم تعد المشكلة فقط في كيفية إنتاج الأغنية، وإنما في كيفية بناء حركة فنية متماسكة بينما يعيش أصحابها في فضاءات متباعدة.
    ومع ذلك، لا أظن أن علينا أن نقول إن جيل اليوم لا يكتب.
    إنه يكتب…. لكن ربما يكتب بطريقته هو.
    وإذا كان جيل الأمس قد وجد الإذاعة والصحافة الثقافية والمنتديات والمسارح والنقاد، فإن جيل اليوم وجد المنصة الرقمية والهاتف والاستوديو المنزلي والجمهور المباشر والعالم المفتوح. لكل زمن أدواته، ولكل جيل طريقته في التعبير. المشكلة ليست أن الشباب لم يعد لديهم ما يقولونه؛ ربما المشكلة أننا لم نعتد بعد على اللغة التي يقولون بها ما يريدون.
    لكن هناك فرقًا بين أن تنتشر الأغنية وأن تصبح جزءًا من الذاكرة. المشاهدة ليست خلودًا، وعدد الاستماعات لا يخبرنا وحده إن كان النص سيبقى. قد تصنع الخوارزمية نجاحًا سريعًا، لكنها لا تستطيع أن تضمن أن جملة واحدة ستبقى في وجدان الناس بعد ثلاثين عامًا. تلك مسألة أخرى؛ مسألة زمن وصدق وموهبة وقدرة على لمس شيء عميق في الإنسان.
    ولهذا، حين نعود إلى الماضي، يجب ألا نفهم عودتنا إليه باعتبارها اعترافًا بأن الحاضر فشل. نحن نعود لأن هناك شيئًا في تلك التجارب لم نفقد قدرتنا على الشعور به. وعندما نغني الحقيبة، أو نستمع إلى عثمان حسين أو وردي أو محمد الأمين أو زيدان إبراهيم أو مصطفى سيد أحمد، فإننا لا نستمع إلى الماضي وحده؛ نحن نستمع إلى الطريقة التي استطاعت بها أجيال سابقة أن تحول حياتها إلى فن.
    لكن الخطر يبدأ عندما يصبح استدعاء الماضي أسهل من صناعة المستقبل.
    فنحن لا نحتاج إلى حلنقي جديد، ولا إلى حميد جديد، ولا إلى الدوش جديد، ولا إلى نسخة أخرى من أي شاعر أحببناه. أولئك الشعراء كانوا أبناء أزمنتهم، ولكل واحد منهم حساسيته ولغته وأسئلته. نحن بحاجة إلى شاعر يستطيع أن يكون ابن هذا الزمن؛ شاعر يرى السودان الذي تغير، والإنسان الذي تفرقت به الطرق، والوطن الذي أصبح حاضرًا في الذاكرة أكثر من حضوره في المكان، والجيل الذي يعيش بين الخرطوم والقاهرة والرياض ولندن ودبي وأديس أبابا وواشنطن وغيرها، ويحمل في داخله أكثر من وطن وأكثر من لغة وأكثر من تجربة.
    نحتاج إلى شاعر يستطيع أن يقول شيئًا لم يكن بإمكان السابقين أن يقولوه، لأنهم لم يعيشوا هذا الزمن.
    وقد يكون هذا الشاعر بيننا الآن.
    ربما يكتب في غرفة صغيرة ولا يعرفه أحد. وربما تكون هناك شابة تكتب نصًا سيجد طريقه يومًا إلى أغنية لم تولد بعد. وربما يوجد ملحن يحمل في داخله صوتًا جديدًا، ومطرب لم يجد النص الذي يشبهه، وشاعر لم يجد المطرب الذي يستطيع أن يفهمه. وربما لا تنقصنا المواهب بقدر ما تنقصنا لحظة اللقاء.
    وهنا أظن أن السؤال الحقيقي يبدأ.
    الأغنية التي تصنع زمنًا لا تحتاج إلى شاعر فقط.
    تحتاج إلى شاعر يجد الملحن، وملحن يجد الصوت، وصوت يجد النص، وموسيقيين يمنحون العمل روحه، وجمهورًا يصغي، وبيئة ثقافية تمنح التجربة وقتها. هكذا ولدت مراحل كثيرة من تاريخ الأغنية السودانية، وهكذا يمكن أن تولد مرحلة جديدة. وليس المطلوب إعادة النظام القديم كما كان، وإنما اكتشاف شكل جديد قادر على أداء الوظيفة نفسها في زمن مختلف.
    ربما نحتاج إلى أن نستخدم المنصات الرقمية لا لتوزيع الأغنية فقط، بل لاكتشاف شعرائها. وربما نحتاج إلى أن تلتقي المواهب السودانية في الداخل والشتات، وأن يجد الشاعر مكانًا يجتمع فيه مع الملحن والمطرب والمنتج. وربما نحتاج إلى نقد فني يعيد للأغنية حقها في أن تُناقش، وإلى توثيق يحفظ أسماء الذين يقفون خلفها، حتى لا نعرف المطرب وننسى الشاعر الذي كتب الكلمات التي حفظناها.
    لكن كل ذلك لا ينبغي أن يكون محاولة لإعادة الماضي.
    فالثقافة الحية لا تكرر نفسها.
    الحقيبة كانت حقيبة زمانها، والعصر الذهبي كان ابن زمانه، وجيل حميد والدوش والقدال وهاشم صديق كان ابن أسئلته. وإذا كنا نريد أغنية سودانية جديدة، فعلينا أن نسمح لها بأن تكون ابنة هذا الزمن بكل ما فيه من تعقيد وشتات وتجربة وتكنولوجيا وأسئلة جديدة.
    أعظم تكريم للحقيبة ليس أن نظل نغنيها إلى الأبد، وأعظم تكريم لوردي وعثمان حسين ومحمد الأمين ومصطفى سيد أحمد، وللحلنقي ومحمد يوسف موسى وإسماعيل حسن وحميد والقدال والدوش وهاشم صديق وغيرهم، ليس أن نبحث عن نسخ منهم.
    بل أن يأتي جيل جديد ويقول: هذه أغنيتنا نحن.
    وهنا يعود السؤال الذي بدأنا به، لكنه الآن يبدو مختلفًا.
    أين شعراء الأغنية السودانية؟
    ربما لم يختفوا.
    ربما تغيرت صورتهم.
    وربما لم تنقطع الأغنية، وإنما انقطع شيء من الطريق الذي كان يصل الشاعر بالمطرب، والنص باللحن، والموهبة بالجمهور.
    وربما يكون شاعر الأغنية القادم موجودًا بالفعل، لكنه ينتظر فقط أن يجد زمنه.
    لذلك فإن السؤال الأهم ليس: أين حلنقي جديد؟ ولا أين حميد جديد؟ ولا أين الدوش جديد؟
    السؤال هو: هل نحن مستعدون لصناعة الزمن الذي يستطيع أن يولد فيه شاعر سوداني جديد؟
    فالأغنية السودانية لم تفقد ذاكرتها.
    لكن الذاكرة وحدها لا تكفي.
    فكما ورثنا من الذين سبقونا أغنياتٍ جعلت الماضي حيًا، علينا أن نترك لأبنائنا أغنيات تجعل المستقبل قابلًا للتذكر.