حين نحفظ لغتنا… نحفظ ذاكرتنا

  • بتاريخ : 25 أغسطس، 2026 - 4:41 م
  • الزيارات : 11
  • بقلم/ د. سعاد فقيري

    ليست اللغة مجرد كلمات ننطق بها، ولا حروفاً نصطفها في جمل ثم نمضي.
    اللغة وطنٌ يسكن اللسان، وذاكرة تسكن الوجدان، وهوية نحملها معنا أينما ذهبنا.
    ومن هنا، فإن المحافظة على لغتنا العربية، وعلى خصوصيتنا السودانية في التعبير والنطق والمفردات، ليست دعوة للانغلاق على الذات، وليست رفضاً لتعلم اللغات الأخرى، بل هي دعوة لأن نعرف من نحن، ثم نعرف الآخرين.
    لقد لفتني ذلك المقال الجميل عن الصديق عبد الله الفاضل التوم، وما حمله من حديث عن ظاهرة أصبحت تتسلل إلى حياتنا اليومية: أن بعض الناس يظنون أن إدخال كلمات أجنبية في حديثهم العربي يمنحهم مكانة اجتماعية أو ثقافية أعلى.
    وهنا ينبغي أن نسأل أنفسنا بهدوء:
    هل نتعلم اللغة الأجنبية لنرتقي… أم نستخدمها لنثبت أننا أفضل من لغتنا؟
    الفرق كبير.
    أن تتعلم الإنجليزية أو الفرنسية أو غيرهما، فهذا اتساع في الأفق وقوة في التواصل. أما أن تشعر بالخجل من لغتك، أو ترى أن حديثك لا يكتمل إلا بكلمات أجنبية، فهذه ليست ثقافة… وإنما اغتراب عن الذات.
    لغتنا الأم ليست عائقاً أمام العالم
    العالم اليوم لا يعيش بلغة واحدة.
    والإنسان المثقف هو الذي يستطيع أن يفتح أكثر من نافذة على العالم، دون أن يهدم النافذة التي يرى منها وطنه.
    نتعلم الإنجليزية حتى نتواصل مع العالم، ونقرأ العلم، ونستفيد من تجارب الشعوب، ونشارك في المعرفة الدولية.
    ونتعلم الفرنسية أو غيرها لأننا نريد أن نمد جسوراً جديدة مع الآخرين.
    لكن حين نعود إلى أهلنا وبيوتنا ومجتمعنا، ينبغي ألا نشعر أن لغتنا أقل قيمة.
    فاللغة الأجنبية جسر نعبر به إلى الآخرين، وليست بيتاً نهجر إليه بيتنا الأول.
    فلنعلّم أبناءنا اللغات… ولكن لنعلّمهم أولاً الاعتزاز بلغتهم
    المشكلة ليست في أن يتحدث الطفل الإنجليزية بطلاقة، بل المشكلة أن يتحدثها بطلاقة وهو يشعر أن العربية أقل شأناً.
    المشكلة ليست في أن يعرف ابننا العالم، وإنما في أن يعرف العالم ولا يعرف نفسه.
    نريد جيلاً يستطيع أن يتحدث الإنجليزية والفرنسية وغيرها، لكنه عندما يتحدث العربية يشعر بالفخر لا بالخجل.
    نريد أبناءً يقرؤون الأدب العالمي، وفي الوقت ذاته يقرأون الطيب صالح وعبد الله الطيب ومحمد المهدي المجذوب، ويعرفون جمال المفردة السودانية، وثراء الذاكرة الشعبية، وروعة الأمثال والحكايات التي صنعت وجداننا.
    فالأمم لا تحفظ هويتها بالشعارات، وإنما تحفظها حين تورث أبناءها لغتها وأدبها وذاكرتها.
    واللهجة السودانية جزء من ذاكرتنا
    وليس المقصود بالمحافظة على العربية أن نتخلى عن لهجتنا السودانية الجميلة.
    فاللهجة ليست عيباً ينبغي التخلص منه.
    في مفرداتنا السودانية تاريخ طويل؛ في كلمات الأمهات، ونكات الآباء، وأغاني الحبوبات، وأمثال الأجداد، وفي ذلك التعبير السوداني الذي يحمل في داخله قدراً هائلاً من الحميمية والطيبة.
    كم من كلمة سودانية بسيطة تحمل قصة كاملة!
    وكم من تعبير لا يمكن ترجمته إلى لغة أخرى دون أن نفقد شيئاً من روحه!
    لذلك علينا أن نحافظ على العربية الفصحى كلغة معرفة وكتابة وتعليم، وعلى لهجتنا السودانية كجزء من وجداننا الشعبي والثقافي.
    لا تجعلوا اللغة الأجنبية زينة للكلام
    ليس عيباً أن نقول كلمة إنجليزية عندما تكون هي الأدق أو عندما يقتضي السياق استخدامها.
    لكن الجميل أن تكون الكلمة الأجنبية حاجة حقيقية، لا زينة اجتماعية.
    فالمثقف الحقيقي لا يحتاج إلى استعراض مفرداته حتى يثبت ثقافته.
    والعالم الحقيقي لا يحتاج إلى أن يقول للناس إنه عالم.
    والإنسان الواثق من هويته لا يحتاج إلى استعارة هوية الآخرين حتى يشعر بقيمته.
    القوة ليست في أن تتحدث مثل الآخرين، وإنما في أن تتحدث معهم وأنت تعرف من أنت.
    فلنتعلم لغات العالم… دون أن نفقد لغة القلب
    نحن بحاجة إلى الانفتاح، لا الانسلاخ.
    بحاجة إلى التعلم، لا التقليد.
    بحاجة إلى التواصل، لا التبعية.
    بحاجة إلى أن نعرف ثقافات الشعوب، لا أن نستبدل ثقافتنا بها.
    فاللغة الإنجليزية مثلاً يمكن أن تفتح لنا أبواب الجامعات والمختبرات والأسواق العالمية، لكنها لا ينبغي أن تغلق في داخلنا باب البيت الذي خرجنا منه.
    تعلم لغة الآخر حتى تفهمه، لا حتى تنسى نفسك.
    تعلمها لتقرأ كتابه، وتحاوره، وتناقشه، وتتعلم منه، وتقدم له في المقابل ثقافتك وحضارتك وتجربتك.
    فالتواصل الحقيقي بين الشعوب ليس أن يصبح الجميع نسخة واحدة، وإنما أن يتعارف المختلفون ويحترم كل منهم خصوصية الآخر.
    مسؤوليتنا تبدأ من البيت والمدرسة والإعلام
    إذا أردنا حماية لغتنا، فعلينا أن نبدأ من حيث تتشكل الشخصية.
    من الأسرة، حيث يسمع الطفل لغته الأولى.
    ومن المدرسة، حيث يتعلم القراءة والكتابة والتعبير.
    ومن الإعلام، حيث تتشكل العادات اللغوية لدى المجتمع.
    ومن الكتاب والمثقفين، الذين يستطيعون أن يجعلوا العربية لغة جميلة وقريبة من الناس، وليست مادة جامدة في الكتب المدرسية.
    وعلينا أن نشجع أبناءنا على القراءة، والكتابة، والشعر، والقصة، والمسرح، والبرامج التي تقدم اللغة العربية بصورة محببة.
    كما علينا أن نوثق المفردات السودانية والأمثال والحكايات الشعبية قبل أن تختفي مع رحيل الأجيال التي تحملها.
    كلمة أخيرة:
    هل ما زلنا نحبها؟
    هل ما زلنا نثق بها؟
    هل ما زلنا نرى في لهجتنا وذاكرتنا السودانية شيئاً يستحق أن نحفظه للأبناء؟
    إننا لا نريد أن نغلق أبوابنا أمام العالم، بل نريد أن نفتحها كلها.
    نتعلم الإنجليزية، والفرنسية، والصينية، والإسبانية، وكل لغة نستطيع تعلمها… لكننا لا نخلع لغتنا العربية عند عتبة العالم.
    نذهب إلى العالم بلغاته، ونعود إلى وطننا بلغتنا.
    نحاور الآخرين بلغاتهم حين يلزم الأمر، ونحكي لأبنائنا حكايتنا بلغتنا.
    فليس عيباً أن تتعلم ألف لغة،
    العيب أن تنسى لغة قلبك.
    وليس التقدم أن نتشبه بالآخرين،
    بل أن نصل إلى العالم ونحن نعرف جيداً من نحن.
    فلنحفظ لغتنا، ولنحترم لهجتنا، ولنعتز بثقافتنا، ولنعلّم أبناءنا لغات العالم.
    فالإنسان الذي يعرف لغة الآخرين يملك مفاتيح أبوابهم،
    أما الإنسان الذي يعرف لغته ويعتز بها، فيملك مفتاح نفسه.