الطيب الصاوي المحامي يكتب :يوميات نازح 

  • بتاريخ : 6 أغسطس، 2026 - 5:13 م
  • الزيارات : 4
  • تخيل معي انت في منزلك مستقر مع زوجتك واطفالك في هدوء وسكينة وتخطط مع زوجتك لمستقبل الاسرة والابناء وتدبير احوال المعاش الصعب من مأكل وملبس وتعليم ويحيط بكم فجأة ما لم يكن على البال والخاطر تترك منزلك تحت وابل الرصاص ورائحة الموت، تترك كل شئ من متاع الدنيا الزائل وراك وتطلب خروج ابنائكم بالسلامة وتسليم “الرويحة” العزيزة وتبدأ من هنا مع زوجتك مشوار التكيف على اقتحام المجهول من ضيق ذات اليد و المعاناة من حمل الأطفال والمسنين وتدبير السكن و الغذاء والدواء والكساء لان معظم النازحين طلعوا من منازلهم بما على أجسامهم من ملابس وغيره من متطلبات الحياة لا أقول الكريمة بل الواقعية البسيطة التي تحفظ لك الحياة..

    خرج كل شخص وقلبه يتفطر وعقله متعلق بالذكريات الجميلة التي يحتضنها منزله في كل ركن من اركانه وكل زقاق من ازقته خرج لا يحمل قوت ولا ملبس فارا من دوي الرصاص وبراميل الدانات وانت في طريق النزوح تشاهد مناظر تبكي العين وتدمي القلب وتندي الجبين من يحمل والدته المسنة على ظهره وعلى درداقة ومن يحمل اطفاله على ظهره وبدأ النزوح على الأقدام لان السيارات كانت عرضة للخطر وتبدأ محطات النزوح والحياة المختلفة من رقاد على الأرض وتقاسم وجبات واتمام الوجبة بالنوم من مياه ملوثة وبداية الامراض والاوبئة التي كنا لا نعرفها في مناطقنا حمى الضنك والحمى الحبشية ونزلات معوية وسكن في هناجر مكشوفه وأمطار وناموس ..

    وهنالك من المسؤولين من طلب منه الحضور والوقوف على الرعية قال انا ممكن احضر بصفتي مواطن ولكن ليس بصفتي كمسؤول بدا التنصل عن المسؤوليات لك الله يا نازح طيب اذا المسؤول هرب قبل الرعية ما هي الأفضلية التي تجعلك على رأسي في وقت الباردة وفي وقت الحارة ما لقيتك تصور من نزح باسرته كاملة وعندما تم التحرير رجع الى منزله باطفاله وقد فقد شريكة حياته زوجته وام عياله في رحلة النزوح وضمها القبر وحاله كحال الشاعر الذي قال في زوجته لولا الحياء لهاجني استعبارو ولزرت قبرك والحبيب يزار ..

    تخيل انك راجع الى منزلك بالأطفال وسيدة البيت ما رجعت رحمها الله رحمة واسعة وهذا حال الكثير واعرف جلهم فقدوا زوجاتهم في رحلة النزوح وحالهم كحال الشاعر عبد الرحمن صدقي من ديوان وحي امراة:

    كان لي في اخريات العمر بيت فعدمته..

    سنوات اربع ام كان ذا حلم حلمته..

    ليته طال ولو طال ما كنت سئمته..

    زوجتي صنوي وما لي غيرها صنو علمته..

    همها همي فلا تطعم الا ما طعمته..

    همنا الدرس وما تفهمه منه فهمته..

    نظمت بالعطف والتدبير عيشي ونظمته..

    برهة فانتبه الدهر فعفى ما رسمته..

    احرام ان سعدنا ام خبال ما زعمته..

    كل ما اعرف ان كان لي في اخريات العمر بيت عدمته..

    ما حجم الوجع والانكسار ان ترجع وفقدت زوجتك ان ترجع وقد فقدت ابوك ان ترجع وقد فقد والدتك ان ترجع وفقدت فلذت كبدك هنالك ذكريات ستظل عالقة بالاذهان الى ان يرث الله الارض وما عليها هنالك وجع هنالك حسرة هنالك مأسي وكسور لا يجبرها سلام ولا اعتذار ولا تعويض هل يتم تعويض من فقدنا ولا الزمن وهنالك من اصيب بأمراض مزمنة حسرة على من فقد كم من عزيز رحل في غيابنا من الشيب كمان وشبابنا من يوم الحزن ما نابنا نبكي ويا حليل أصحابنا اللهم ربي ارحم من فقدنا وصبر قلوبنا واجبر كسرنا وانصرنا على من ظلمنا وارينا فيهم يوما كيوم عاد وثمود اللهم ربي ارنا فيهم عجائب قدرتك وانزل عليهم بأسك الذي لا يرد والى ان القاكم في زاوية من يوميات نازح اذا كان في العمر بقية اترككم في رعاية الله وحفظه.