الطيب مصطفى… جوانب يجهلها الكثيرون (4-4)

  • بتاريخ : 5 أغسطس، 2026 - 8:05 ص
  • الزيارات : 2
  • نبض للوطن || أحمد يوسف التاي

    (1)
    عندما كان الطيب مصطفى، رئيس مجلس إدارة الإنتباهة، كان يرأس اجتماعا للمساهمين، وكانت الصحيفة قد حققت أرباحا ضخمة، وأثناء تداول المقترحات حول كيفية إستثمار الأرباح ، أقترح أحد المساهمين شراء دولارات بمبلغ الأرباح باعتبار أن تجارة العملة تدر ربحا عظيما، وأيد الجميع حسب ما علمت المقترح، لكن الطيب مصطفى رفضه بشدة، ورأى في ذلك عمل غير أخلاقي، ونشاط غير مشروع ويسهم في زيادة سعر الدولار، وينطوي عليه مضار للإقتصاد القومي، واقنع أصحابه بحرمة الإتجار بالدولار لإنعكاساته السلبية على معاش الناس..
    وكان هو الشخص الأكثر حرصا من بين المساهمين على جعل نصيب معتبر من الأرباح لتحفيز الصحافيين، وإعطاء حقوقهم كاملة، ويحرص ألا يظلم أحد، هكذا كان يحدثنا عضو مجلس الإدارة المستشار مامون عباس عقب خروجه من اجتماعات المجلس، وهو الذي اقترح ودعم مشروع تمليك الصحافيين عربات حتى رأى النور..فقد كان مصطفى أحرص الناس على حقوق العاملين ، وأعدلهم وأنصفهم في ذلك، وكان ذلك منهجه في كل المؤسسات التي كان على رأسها منذ تسعينات القرن الماضي ، وقد قال بذلك د. عمر الجزلي، والاستاذ كمال حامد، وكل الذين عملوا معه وكانوا قريبين منه، وأنا أيضا  أشهد  بذلك.
    (2)
    لم يكن الطيب مصطفى وحده من عضوية المؤتمر الوطني مَن كان يرى في الإنفصال الحل الناجع لمشكلة الجنوب، بل كانت هناك نُخب سياسية حزبية، وقيادات بحزب المؤتمر الوطني يرون رأي الطيب مصطفى كطرح لحل المشكلة وليس انطلاقا من عنصرية أو بغضاء او كراهية، ولكنهم كانوا أقل شجاعة من الطيب في طرح الرؤية التي يؤمنون بها، إما خوفا على مصالحهم، أو من النقد او خوفا من اتهامهم ب ” العنصرية” لكن ومع ذلك ، كان هناك قيادات من المؤتمر الوطني يشاركونه ذات الطرح ، أمثال الدكتور قطبي المهدي، والدكتور بابكر عبد السلام، والدكتور عبد الوهاب عثمان، وغيرهم وهؤلاء – إلا الأخير- كتبوا عدة مقالات تدعو للإنفصال، وبعضهم أنضموا لكيانات تطالب بالإنفصال ..
    وعندما خَيّر المؤتمر الوطني أعضاءه “الإنفصاليين” بين الكف عن الدعوة للإنفصال أو مغادرة الحزب، آثر الآخرون البقاء بالحزب وخرج مصطفى من المؤتمر الوطني وأسس حزب منبر السلام العادل.
    (3)
    في العام 2004، عندما كنتُ مديرا لتحرير صحيفة الشارع السياسي المستقلة، نظمنا مناظرة بين الطيب مصطفى بوصفه “إنفصالي”، والحاج وراق بوصفه “وحدوي”، وكنت مديرا للمناظرة..
    ما لفت إنتباهي وأحزنني في ذات الوقت، أنه وقبل بداية المناظرة، كنتُ اتجاذب مع بعض الحضور من ساسة وقادة إعلاميين حديثا جانبيا عن مشكلة الجنوب كان البعض يقول: والله الانفصال افضل علاج لمشكلة الجنوب، وان الجنوب عطل تنمية الشمال، ويكررون ذات افكار الطيب مصطفى ويرون أن طرح الطيب للإنفصال كحل للمشكلة ووقف الحرب يُعتبر الطرح الأفضل، وما أن بدأت المناظرة وأخذوا فرصة للنقاش، انقلبوا على الطيب مصطفى واشبعوه نقدا له ولأفكاره وتصوراته لحل مشكلة الجنوب..
    حينها ادركتُ أن الطيب مصطفى يتفوق عليهم بالجرأة والشجاعة والصدق مع النفس.. قلت في نفسي وقتها إنهم يحملون ذات الافكار “الإنفصالية”، لكنهم منافقون أو جبناء، وقد منعهم ذلك عن الإفصاح عما يؤمنون به.
    (4)
    كان الطيب مصطفى فقيها وعالما بأمور الدين، ومجوِّدا لكتاب الله، مُنصفًا يكره الطغيان والظلم والفساد، وينصح دون مواربة، متواضع، مستمع جيد ، رجَّاع للحق متى ما تبينه، لايجد غضاضة في الإعتذار ، في كثير من المرات كان يخطيء أو يتسرع في حكمه للأشياء، وعندما نراجعه يرجع ويعتذر، ولايبرر الخطأ.
    ينفق دون من ولا أذى، يُخفي صدقاته وإحسانه ما استطاع إلى ذلك سبيلا، ليس نهما في حب المال ولا أنانيا ولا طماعا، رحيم بالضعفاء، ذو نخوة.
    يتمتع الطيب مصطفى بكبرياء لايخالطه كِبْر، وعزة نفس لايشوبها غرور، وعلو همة، ولايرضى بالدنية من دينه، ولايخشى في الحق شيئًا..
    (5)
    أما الجانب الاجتماعي الذي لايعرفه الكثيرون، فالرجل رغم الجدية والصرامة والحدة التي تبدو في طرح أفكاره يتمتع بروح الدعابة و”خفة الدم”، يحب النكتة، والدعابة،ورواية النكات والقفشات والتندرات والاستماع إليها، ويروي عن نفسه مواقف حرجة ونوادر وطرائف، ويضحك ملء شدقيه..اللهم أرحمه رحمة واسعة يا من وسعت رحمتك كل شيء، وأحاط علمك بكل شيء، وبقدرتك التي قدرتَ با على كل شيء
    (5)
    ونختم اليوم هذه السلسلة بما ورد عن الطيب مصطفى في مدونة ويكيبيديا:
    ولد مصطفى مع مدخل الخمسينيات في حي كوبر في الخرطوم بحري، ودرس مراحله كلها في بحري ثم قبل في كلية الآداب بجامعة الخرطوم، لكنه درس هندسة الاتصالات في معهد المواصلات في ذات الوقت. بعد تخرجه استكمل دراسته الهندسية في هندسة الاتصالات في هولندا، وعادليعمل بالخرطوم، ثم بالإمارات العربية «شركة أمرتيل» الشركة الحكومية للاتصالات؛ قبل تخصيصها لتصبح شركة الاتصالات الإماراتية، وترقى فيها حتى صار مقرراً لمجلس إدارتها وكان في ذات الوقت كاتباً منتظماً في صحيفة «أمريتس نيوز». وعاد الطيب مصطفى إلى السودان بعد أزمة حرب الخليج ليعمل مستشاراً إعلامياً لوزير المالية الراحل عبد الرحيم حمدي الذي اختاره بنفسه، ثم عمل مديراً عاماً لوكالة السودان للأنباء، ثم انتقل من وكالة سونا إلى التليفزيون فشهد به التليفزيون نهضة ظاهرة، نقلته من البث الأرضي للبث الفضائي وشهدت عهدته فيه إنشاء قناة الخرطوم الدولية والتوسع في البث الولائي، وبداية الشراكة البرامجية مع الشيخ صالح الكامل تلكم التي تطورت من بعد لتصبح قناة النيل الأزرق الفضائية. ثم صار وزيراً دولة للاتصالات؛ فكان أول وزير دولة مخصصا للاتصالات، فواكب نهضة «شركة سوداتيل» وأشرف على عطاء المشغل الثاني الذي أصبح شركة زين من بعد، وكان إبان ذلك عضواً راتباً في مجلس إدارة عربسات التي أفادت من خبرته الهندسية في مجال الاتصالات أفادة شهد بها مديروها. استقال الطيب بعد خلاف مع الوزير حول سياسة الوزارة، ليبدأ مسيرة في الصحافة استهلها بإنشاء صحيفة «الانتباهة» ليروج لفكرة «منبر السلام العادل»، فقد كان قوي الإيمان بأن خيار الانفصال السلمي الودي هو خير خيار للشمال وللجنوب.. وأسس حزباً سياسياً في عام 2006م، وهو منبر السلام العادل، وذلك بعد انشقاقه عن حزب المؤتمر الوطني، حزب الرئيس البشير، ثم أنشأ من بعد صحيفة «الصيحة» عام 2014م، وحققت كل من «الانتباهة» و «الصيحة» نجاحاً صحفياً وسوقياً رغم أن الصحيفتين اعتبرتا صحفاً معارضة ولم تسلما من عواقب السخط الحكومي. وقد ظل الطيب مصطفى، عضواً نشطا في الحركة الإسلامية حتى خروجه مجبراً من المؤتمر الوطني الذي خيرته قيادته آنذاك بين الالتزام بموقف الحزب من قضية الوحدة مع الجنوب أو المفارقة بإحسان.، فاختار الأخيرة…..اللهم هذا قسمي فيما املك..
    نبضة اخيرة:
    ضع نفسك دائمًا في الموضع الذي تحب أن يراك فيه الله، وثق أنه يراك في كل حين.