الصفر البارد|| د. جلال محمد إبراهيم
في زحمة العودة المثقلة بالوجع، كان الشعب السوداني يعود من منافي النزوح الطويلة، يحمل على أكتافه تعب السنين، ويروي في قلبه أمنية الوطن التي لم تخبو رغم كل العواصف. كان عودته ليست انتصارًا، بل هروبًا من جحيم الغربة إلى جحيم آخر ينتظره في الديار. خطواته المرتعشة على أرض الوطن كانت كمن يمشي على زجاج مكسور، كل خطوة تدمي قدمًا وتفتح جرحًا قديمًا. كان متعبًا، منهك الجسد، خاوي الجيب، محطّم الروح، يحلم بلقاء بيته الذي تركه أمانة في عنق الزمن، فإذا به يجد أن الزمن خان، وأن اليد التي مدتها الحرب لسرقة كل شيء لم تستثنِ ذكرياته ولا أثاثه ولا حتى جدران بيته التي حملت شهادة ميلاده
– ثم ضاع الامس منا وانطوت في القلب حسرة :-
وقف ذلك الرجل أمام منزله المهجور، الذي تحول إلى خرابة عارية، سرقوا أبوابه وشبابيكه، نهبوا محتوياته، حتى بقايا الصور القديمة لم تسلم من عتمة النهب. نظر حوله، كان الجيران يمرون كالظلال، كل منهم غارق في همّه، لا أحد يلتفت إلى دمعة تخنق حلق عائد، لا أحد يسأل عن غائب عاد ليجد الغياب مضاعفًا. هنا، في هذا الفراغ المدمر، أدرك أن المعاناة ليست وحدها، بل هي جحيم جماعي يعيشه الكل، لكن كلٌ في صومعته، لا أذن تسمع ولا يد تمسح دمعة. كان الشعور بالوحدة أقسى من السرقة، وأفظع من الخراب، لأن الإنسان حين يفقد كل شيء ويجد نفسه في بحر من اللامبالاة، يكون قد وصل إلى قاع اليأس.
– ومع كل هذا العبء الثقيل، لم يملك الشعب إلا أن يمد يده إلى أمل أخير، إلى حكومة أطلقت على نفسها اسم “حكومة الأمل”، وكأنها وافقت على تسميتها قبل أن تفهم معنى الأمل في قلوب الجياع والعراة. جاء الأمل في كلمات براقة، في وعود تلوّنت بألوان زاهية ، لكنها سرعان ما تلاشت كسراب في صحراء القحط. لم يجد الشعب في “حكومة الأمل” سوى انعكاس مرير لواقع أسود: لا كهرباء تضيء ظلمة الليل، لا ماء يروي عطش الصباح، لا علاج يداوي جروح المرضى، ولا حتى أمن ينام في الأحياء السكنية دون خوف من طارق مجهول. أصبح المواطن ينتظر دوره في طابور الخبز، ثم ينتظر دوره في طابور الدواء، ثم ينتظر دوره في طابور الموت، بينما الحكومة تنشغل بألقابها البراقة عن جوهر المسؤولية.
– اليأس بدأ يتسلل إلى النفوس، ليس كغيمة عابرة، بل كسيول جارفة اقتلعت آخر جذور الثقة. رأينا الكهرباء تنقطع، فتنقطع معها أحلامنا؛ رأينا الماء يغيب، فيغيب معه عرق الحياة؛ رأينا المستشفيات خاوية، فتموت فينا رغبة البقاء؛ رأينا الطرق زالكباري تنهار ، وتنهار معها أوصال التنقل؛ رأينا العملة السودانية تتهاوى، لتصبح حلمًا قديمًا نقتبسه من كتب التاريخ واصبحنا نحمل ورق وزنه اكبر من قيمته الشرائية ! ! ! واصبح حتى حمله عبء على ى من يحمله . وفي كل هذا، كانت إنجازات هذه الحكومة في صالح الشعب صفرًا كبيرًا، ، نعم صفرًا مدويًا كصمت المقابر، صفرًا يُقرأ في وجوه الأطفال الذين ينامون جوعى، وفي عيون الأمهات اللواتي يبحثن عن لقمة تشبع بكاء صغارهن،، وانتشر التسول ،،والحكومة كلها تركب الاندكروزر الفارهات ولا يشعرون بحال الشعب .
– وعلى هذا الحال، جف في الكأس الرجاء، وبكت فرحة السنين دموعًا هي أحرّ من النار. أصبحنا ننظر إلى المستقبل كجدار مسدود، لا نرى خلفه سوى ظلام دامس. كل يوم يمر يضيف طبقة من الإحباط فوق طبقات اليأس المتراكمة. لم يعد أحد يصدق وعودًا دون فعل، ولا خطابات دون تنفيذ، ولا مشاريع على ورق بينما الواقع ينهار حجرًا حجرًا.
– ومن هنا، ومن أعماق هذا الإرهاق الجماعي، نرفع صوتنا، ليس كصراخ عابر، بل كرسالة عاجلة، كاستغاثة الموجوع، إلى سعادة الفريق البرهان، رئيس مجلس السيادة. نطلب منه، بكل ما تبقى في قلوبنا من ذرة أمل، أن يرحمنا من”حكومة الأمل” التي حولت حياتنا إلى جحيم بلا ملامح. نطلب منه أن يفهم أن اسم الحكومة لا يصنع الأمل، بل الأفعال هي من تزرعه، وحين تغيب الأفعال يصبح الاسم استهزاءً وجرحًا إضافيًا. نحن لا نطلب مستحيلًا، بل نطلب حكومة تعمل، حكومة تشعر بنبض الشارع، حكومة تدرك أن حياة ومعيشة الناس والصحة والتعليم ليست رفاهية، بل هي خط أحمر لا يمكن تجاوزه.
– نطالب بيد حازمة، بحكومة حرب كاملة الدسم، من الجيش فقط، لأننا رأينا في الجيش رمزًا للقوة والانضباط، ورأيناه في أحلك الظروف يضع يده على الجرح، ويحاول وقف النزيف. نحن نريد كفاءات لا تشغلها السياسة عن الخدمة، ونزاهة لا تلين أمام المصالح، وقدرة على اتخاذ القرارات الحاسمة دون تردد. نريد حكومة تعيد الكهرباء، فتنير بيوتنا وعقولنا؛ تعيد الماء، فتغسل أدران الهزيمة؛ تعيد الأمن، فننام دون خوف؛ تعيد للعملة قيمتها، فنشعر أننا ننتمي إلى دولة، لا إلى كومة من الأوراق التالفة.
– اخر المداد
نحن شعب تعب، لكننا لم نمت بعد، في قلوبنا بقية من حياة، وفي عروقنا دم يسري يريد أن يضخ أملًا جديدًا. نرسل هذه الرسالة إلى الفريق البرهان في طلب استغائة عاجلة ، في مثابه صوت شعب يئن تحت وطأة الإهمال، ويصرخ في وجه الزمن العاثر. ارحمنا يا سعادة الفريق البرهان من حكومة ليس فيها لنا كشعب امل ، وأعطنا بدلًا منها حكومة العمل الصادق، حكومة من الجيش تعرف معنى التضحية، وتدرك أن الوطن يستحق أفضل مما نحن فيه. قد يكون الأمل قد جف في الكأس، لكنه لم يمت بعد في الصدور، ونحن نمد أيدينا إليك، لعلها تصطدم بيد تمتد إلينا، لا لتعدنا، بل لتعمل معنا، وتبني معنا، وترفع معنا راية سودان جديد، يليق بدماء الشهداء ودمعات الأمهات. الا هل بلغت ،،، اللهم فاشهد . فستذكرون ما أقول لكم وافوض امري الي الله ان الله بصير بالعباد .











إرسال تعليق