سر المريض عند الطبيب… بين الواجب الأخلاقي والمسؤولية القانونية

  • بتاريخ : 4 أغسطس، 2026 - 7:48 ص
  • الزيارات : 14
  • بقلم/ الطيب مضوي شيقوق- المحامي والمستشار القانوني 

    تقوم مهنة الطب في جوهرها على الثقة؛ فالمريض لا يسلّم الطبيب جسده لعلاجه فحسب، وإنما يضع بين يديه معلومات دقيقة عن حياته وصحته وظروفه الخاصة. ومن هنا نشأ مبدأ السر الطبي باعتباره أحد أهم الالتزامات التي تحكم علاقة الطبيب بالمريض، وأحد المعايير التي تُقاس بها أخلاقية الممارسة الطبية.

    فالطبيب بحكم مهنته يطّلع على أسرار لا يطّلع عليها أقرب الناس إلى المريض؛ من تاريخ مرضي، وأعراض، ونتائج فحوصات، وأوضاع نفسية أو اجتماعية. وهذه المعلومات لا تصبح ملكًا للطبيب أو المؤسسة الصحية، وإنما تظل حقًا للمريض، والطبيب مؤتمن عليها بحكم القانون وأخلاق المهنة.

    وقد كرّست القواعد المهنية الطبية مبدأ المحافظة على سرية معلومات المريض، لأن هذه السرية ليست مجرد التزام شكلي، بل ضرورة عملية لاستمرار الثقة في النظام الصحي. فلو شعر المرضى بأن أسرارهم قد تُكشف، فقد يمتنعون عن ذكر معلومات مهمة، الأمر الذي قد يؤثر سلبًا على التشخيص والعلاج، ويضر بالمريض والمجتمع على حد سواء.

    ومن الناحية القانونية، فإن إفشاء الطبيب لسر المريض دون مسوغ مشروع قد يرتب مسؤولية مهنية وقانونية، باعتبار أن الطبيب أخلّ بواجب فرضته عليه مهنته. فالمريض له حق أصيل في حماية حياته الخاصة، ولا يجوز انتهاك هذا الحق إلا في الحدود التي يقررها القانون.

    غير أن السر الطبي ليس حقًا مطلقًا؛ فقد تفرض بعض الظروف الاستثنائية الإفصاح عن جزء من المعلومات، كوجود التزام قانوني بالإبلاغ عن بعض الحالات، أو لمنع خطر جسيم ومحقق يهدد حياة شخص آخر أو سلامة المجتمع. وفي هذه الحالات يجب أن يكون الإفشاء في أضيق نطاق ممكن، وبالقدر الذي تقتضيه الضرورة فقط.

    ومن جانب آخر، فإن مسؤولية حفظ السر لا تقع على الطبيب وحده، بل تشمل كل العاملين في القطاع الصحي الذين بحكم عملهم يطلعون على معلومات المرضى، من كوادر طبية وتمريضية وإدارية. فالخصوصية الطبية منظومة متكاملة وليست مسؤولية فرد واحد.

    وفي المقابل، فإن على المريض واجب التعاون مع طبيبه، وذلك بتقديم المعلومات الصحيحة والكاملة عن حالته؛ لأن العلاج الناجح لا يقوم فقط على مهارة الطبيب، وإنما على توافر المعلومات التي تمكنه من اتخاذ القرار السليم.

    إن سر المريض عند الطبيب ليس مجرد معلومة مخفية، بل هو عنوان لاحترام الإنسان وكرامته. والطبيب الذي يحفظ أسرار مرضاه لا يلتزم فقط بنص قانوني، وإنما يجسد القيمة الأسمى لمهنته: أن يكون موضع ثقة الإنسان في أكثر لحظاته ضعفًا وحاجة.

    ولهذا فإن حماية السر الطبي تظل معيارًا مهمًا لرقي المجتمعات واحترامها للإنسان، ودليلًا على أن الطب رسالة أخلاقية قبل أن يكون مهنة