نبض للوطن || أحمد يوسف التاي
(1)
في كل جلسات المحاكم، والتي مثلتُ فيها بمعية المهندس الطيب مصطفى متهميْن بإفشاء “أسرار الدولة”، ونشر مستندات ووثائق رسمية للرأي العام، وتقويض النظام ، والتحريض وإثارة الكراهية ضد الدولة،
كان الطيب مصطفى يجيب على أسئلة القضاة ومحامي الإدعاء بمنتهى الصدق والجرأة والشجاعة، وكان يقول الحق ولو على نفسه، (كان يستدعى معي للنيابة والمحاكم رغم أنه رئيس مجلس إدارة وليس مسؤولا عن التحرير، فما نعلمه ان المسؤولية تقع على رئيس التحرير لا الناشر، لكنهم كانوا يضموه في بعض البلاغات، إمعانا في الضغط عليه ).
أحد المحامين إلتقانا ببحاحة المحكمة سأل الطيب عن سبب مجيئة للمحكمة فحكى له القصة…
عندها قال المحامي للطيب: الكلام دا إنت زاتو ما تقولو انكرو، لأنك انت ما حالف قسم.. بدت الدهشة في وجه الطيب مصطفى ورد على الفور: (لا والله لن اشتري بعهد الله ثمنا قليلا).. الطيب مصطفى يريد أن تروى الحقائق كما هي دون زيادة أو نقصان، وكان أشد ما يكره الكذب ولو كان في الكذبة خلاصه وإنقاذه، وهو يردد: لسنا بحاجة إلى ما يخالف الحقيقة وإن كان ينقذنا من حبل المشنقة.
(2)
في أول اجتماع عقدناه لإقرار سياسة تحرير الصحيفة، وكان حضورا في الإجتماع الزملاء د. ياسر محجوب الحسين ، وياسر علي طاهر، وعبدالله الطيب مصطفى، وشخصي… قلتُ له يا باشمهندس سياسة تحرير الصحيفة، كما تعلم تقوم على محاربة الفساد ، والدفاع عن الحريات وسيادة القانون بكل ضراوة ، وأخشى أن تتدخل يوما في شغلنا وتتوسل لأصدقاء أو أهل متورطين وتقوم بتعطيل النشر، رد باختضار: أنا وهذا إبني عبدالله إذا وجدتمونا متورطين في فساد لا تتوقفوا عن نشر فسادنا، وأنا لن أمنعكم ولن أتدخل مهما كان قرب الشخص مني..
(3)
بعد شهر من الصدور، جاءتني الزميلة المحترمة، نبوية سر الختم – الله يطراها بالخير- بملف متكامل عن فساد مشروع توطين العلاج بالداخل، لكنها جاءت مترددة: يا استاذ والله في قضية فساد تتعلق بمشروع توطين العلاج بالداخل، لكن ما حنقدر ننشر الكلام دا!!..لماذا؟!! هكذا سألتها.. فأجابت بحذر: لأن شقيق الرئيس ومعه وزير الصحة متورطين في بعض التجاوزات، وما أظن الطيب مصطفى يرضى ننشر ضد ابن اخته..
قلتُ لها وبكل ثقة جيبي الملف وسوف ننشره، وثقتي كانت تنطلق من وثوقي في كلام الطيب ووعده السابق وتعهده بعدم التدخل لحماية أي شخص تحوم حوله مجرد شبهة فساد، إذ لم أعهد الرجل إلا صادقًا في قوله، يمقت الكذب وتحريف الحقائق..
قلت لنبوية: لتتأكدي من صدق حديثي سأختبر لك الطيب مصطفى، أما أنا فما كنت بحاجة لإختباره..قلتُ له غدا بإذن الله سننشر ملف فساد خطير فحواه كذا وكذا والمتورط فيه ابن اختك ، قال كما قلتُ لكم سابقا، حتى لو جدتم ملف فساد ضدي او أحد أبنائي لن أحول بينكم ونشره..وقد نشرناه بالخط العريض، ولم يقل إلا عبارة واحدة، مازالت محفورة في ذهني: الأهل قد لا يتفهمون طبيعة العمل الصحفي، وقد يغضبون وينزعجون ولكن الله أحق أن نخشاه..
(5)
هناك الكثير من الناشرين ورؤساء التحرير الذين عملت معهم، وجدتُ أن الفرق بينهم والطيب مصطفى لجد كبير، والبون أوسع…
كان بعضهم يعطل نشر بعض الملفات لأسباب متعددة ، عندما تتقاطع مصالحهم مع النشر، او عند الخوف من بطش ذوي الشوكة، أو للتستر والمجاملة والحمية والتعاطف، لكن الطيب مصطفى لم يتدخل يومًا لتعطيل نشر بسبب خوف، او مصلحة أو حمية، أو تعاطف إلا بقدر ما يقدمه لنا من نصح بعدم أخذ البريء بالشبهة.
غدا نواصل بإذن الله…..اللهم هذا قسمي فيما املك..
نبضة اخيرة:
ضع نفسك دائمًا في الموضع الذي تحب أن يراك فيه الله، وثق أنه يراك في كل حين.











إرسال تعليق