الأمم التي تحترم تاريخها لا تخشى من تعدد الروايات
بقلم/ المهندس الإمام عبد اللطيف الإمام
“وزير التخطيط العمراني الأسبق”
أخي العزيز أحمد يوسف التاي..
قرأت المقالين بتأنٍ واهتمام، فوجدتني أمام شهادة إنسانية وتاريخية أكثر من كوني أمام مقالين صحفيين. فالتاريخ لا تكتبه الوثائق الرسمية وحدها، بل تكتبه أيضًا شهادات الذين عايشوا الأحداث، وكانوا قريبين من أصحابها، ونقلوا ما رأوه وما سمعوه بأمانة وصدق.ولذلك فإن مثل هذه الكتابات تكتسب قيمتها من صدق الشاهد قبل جمال العبارة*.
*لقد قدمت لنا صورة للراحل الطيب مصطفى من زاوية ربما لا يعرفها كثير من الناس؛ زاوية الإنسان الذي، بحسب ما عايشته معه، لم يكن يخشى في قول ما يعتقد أنه الحق لومة لائم، ولم يكن يبدل مواقفه تحت ضغط السلطة أو الإغراء أو الضيق. قد يتفق الناس أو يختلفون مع آرائه السياسية، وقد تتباين المواقف من اجتهاداته، لكن الثبات على المبدأ، والاستعداد لتحمل تبعات الموقف، خصلة تستحق أن تُذكر، لأنها جزء من الإنصاف الذي أمرنا الله به*.
*ولعل أكثر ما لفت انتباهي أنك لم تكتب بلغة التمجيد، وإنما بلغة الشاهد الذي يروي ما عاشه بنفسه. فقد عرضت مواقف متعددة، من النصيحة المباشرة للرئيس، إلى التضييق الذي تعرض له، ثم صبره على المحنة، وتحمله الأعباء المالية من أجل استمرار مؤسسته والعاملين فيها، ورفضه أن يساوم على ما كان يؤمن به. وهذه التفاصيل، سواء اتفق معها القارئ أو ناقشها، تظل ذات قيمة لأنها تضيف لبنة في بناء الرواية التاريخية لتلك المرحلة.*
*إن الأمم التي تحترم تاريخها لا تخشى من تعدد الروايات، بل ترحب بها، لأن الحقيقة الكاملة لا تتشكل من صوت واحد، وإنما من اجتماع الشهادات المختلفة. ومن هنا تأتي أهمية ما تكتبه، فهو يفتح نافذة على جانب من الأحداث كما رآها وعاشها أحد أقرب الناس إليها، ويترك للقارئ وللباحث وللتاريخ أن يوازن ويستخلص ما يراه*.
*وأعجبني كذلك وفاؤك للرجل بعد رحيله. فالوفاء الحقيقي ليس أن نغفل ما قد نختلف فيه مع الراحل، ولا أن نصنع له صورة مثالية، وإنما أن نشهد له بما عرفناه عنه، وأن نؤدي الأمانة كما استقرت في ضمائرنا. وهذه هي قيمة الشهادة التي تبقى، لأنها لا تُبنى على المجاملة، وإنما على الصدق والمعايشة.*
*فجزاك الله خيرًا، أخي أحمد، على هذا التوثيق الهادئ، وعلى هذا الوفاء النبيل. وأسأل الله أن يجعل قلمك دائمًا منصفًا، يكتب للحق، ويحفظ للناس مواقفهم، وأن يرحم الطيب مصطفى، ويغفر له، ويتجاوز عن زلاته، فكل بني آدم خطاء، ويبقى في ميزان التاريخ ما قدمه الإنسان من عمل، وفي ميزان الله ما أخلص فيه النية، والله سبحانه وتعالى هو الحكم العدل الذي لا يظلم عنده احد*











إرسال تعليق